عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١٥٦156
عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
أفضى إليك، وكذلك يخرج منك إلى من هو بعدك وأحذرك ليلة تمخض صبيحتها عن يوم القيامة. فبكى المنصور بكاء شديدا، حتى أشفق عليه من حوله (1).
وفي هذه الموعظة ملحظ عميق الدلالة يجب التنبيه عليه، وهو الإشارة إلى قوم عاد وثمود وفرعون، وكلهم كانوا أقواما لهم هيبتهم وجبروتهم وسلطتهم، ثم حينما عاندوا الحق وطغوا في البلاد، وأكثروا فيها الفساد واستكبروا على العباد جاءهم العذاب الإلهي الذي يأتي ضربة واحدة وفي لمح البصر. وكما تنوعت مفاسدهم تنوع العذاب الذي صبه الله عليهم، فهو السميع العليم، بالمرصاد لكل متكبر معاند.
وفي موعظة ثالثة أبلغ من الأولى وأقسى، يُقدِمُ عمرو بن عبيد عليها، موجها كلامه للمنصور، مذكرا إياه بقدومه على الله، الذي سوف يحاسبه على أعماله وينبهه إلى انتشار الظلم والفساد في أرجاء البلاد، ويطلب منه العدل في الرعية الذين هم حُصَمَاؤُهُ يوم القيامة. ثم يوجه كلامه إلى أحد حجاب المنصور فيوبخه؛ لأنه يكتم الحقيقة عن الخليفة، ويزين له الأمور، ويبخل عليه بالنصيحة التي تبصره بأمور دولته ويذكره بالموت القادم، الذي يطوي الجميع تحت جناحه، ثم يحث الخليفة على محاسبة عُمَّاله ومراقبة تصرفاتهم وعزل من يستحق العزل. وعندما يطلب المنصور من صديقة المعونة والمشاركة في إدارة جهاز الحكومة يقول كلمة مختصرة هي قانون للحياة، ودستور للحكم، وقاعدة للإيمان: أظهر الحقَّ يَتَّبعك أهله.
وهاك هذه الموعظة: دخل عمرو بن عبيد على المنصور فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله - عز وجل- يقفك ويسائلك عن مثقال ذرة من الخير والشر، وإن الأمة خصماؤك يوم القيامة، وإن -عز وجل- لا يرضى منك إلا ما ترضاه لنفسك، ألا وإنك لا ترضى لنفسك إلا أن يعدل عليك، وإن الله -عز وجل- لا يرضى منك إلا بأن تعدل في الرعية.
الله
يا أمير المؤمنين، إن وراء بابك نيرانا تتأجج من الجور، والله ما يحكم وراء بابك بكتاب الله ولا
بسنة نبيه.
قال: فبكى المنصور. فقال سليمان بن مجالد وهو واقف على رأس المنصور - يا عمرو قد
شققت على أمير المؤمنين.
فقال عمرو: يا أمير المؤمنين من هذا؟
(1) امالي المرتضى، 118/ 1 تاريخ بغداد 168/ 12. الحور العين، ص 264. زهر الآداب، 144/ 1