عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١٥٧عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
قال: أخوك سليمان بن مجالد.
157
قال عمرو ويلك يا سليمان إن أمير المؤمنين يموت وإن كل ما تراه ينفد، وإنك جيفة غدا بالفناء، لا ينفعك إلا عمل صالح قدمته، ولَقُرْبُ هذا الجدار أنفع لأمير المؤمنين من قربك، إذ كنت تطوي عنه النصيحة، وتنهى عمن ينصحه يا أمير المؤمنين، إن هؤلاء اتخذوك سُلْما إلى شهواتهم. قال المنصور: فاصنع ماذا؟ ادْعُ لي أصحابك أَوَلِّهِمْ. قال: ادْعُهُمْ أنت بعمل صالح تحدثه، ومُرْ بهذا الخناق فليرفع عن أعناق الناس واستعمل في اليوم الواحد عمالا، كلما رابك منهم ريب أو أنكرت على رجل عزلته ووليت غيره، فوالله لئن لم تقبل منهم إلا العدل ليتقربن به إليك من لا نية له (1). خلاصة القول: أن عمرو بن عبيد وقف من المنصور موقف المحب الناصح الأمين، الحريص على مصلحة الأمة، المطالب برفع الظلم عن كاهلها والمشفق على حال الخليفة، الذي يتأسى لتصرفاته، ويخشى عليه من حساب رب العالمين والمدرك أن الحاشية التي تحيط به غرضها الانتفاع منه والاستفادة من خيرات الدولة بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، ويهمها أن يظل الحال كما هو عليه من الفساد، إذ إن هذا الوضع الاجتماعي المزري أفضل فائدة لهم من إعادة الأمور إلى نصابها، أو العدل في الرعية، أو تحقيق المساواة بين الناس.
ومن الجدير بالذكر أن هذه هي المهمة المنوطة بالعلماء والمفكرين؛ فهم صوت الشجاعة ونداء البطولة، وضمير الأمة والمعبرون عن آمالها وأحلامها وعليهم أن يصدعوا بالحق العام ويهتفوا بالعدل السماوي، ويطالبوا بالمساواة أمام القانون، وتطبيقه على الكبير والصغير، والغني والفقير والعبد، والأمير وإتاحة الفرص لأبناء الشعب جميعا للصعود إلى القمة السامقة، ويتصدوا للمفاسد والاستبداد، وغطرسة الحكام الظالمين.
L
إن المهمة المنوطة بالعلماء عظيمة وجليلة. فهذه هي رسالة العالم ومهمة المفكر، فهو صوت الحق المنادي بحقوق الشعب المسكين والذي فعله عمرو بن عبيد ليس أمرا نادرا في التاريخ الإسلامي، بل هو حقيقة تاريخية وظاهرة إنسانية صحيحة، بزغت في سماء الحضارة الإسلامية المرصعة بهذه النجوم الزاهرة.
ولقد كان الخلفاء والسلاطين يطلبون رضا العلماء، ويسعون إليهم في دورهم، ويقدمونهم
على أنفسهم لجلال العلم ونفاسة العلوم، ويقفون بين أيديهم يستمعون منهم النصح والإرشاد،
(1) البيهقي: المحاسن والمساوئ، ص 339