عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ١٥٨

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

ويلتجئون إليهم في الْمُلِمَّات، ويطلبون منهم المدد والعون والنصرة والصفح أحيانا. وعلى العلماء أن يعيدوا سيرتهم الأولى، ولو تحملوا من المشاق الأمر العسير، كما تحمل ابن تيمية العذاب في سجن القلعة، وما فعله العز بن عبد السلام مشهور وكان السلطان لاجيه حاكم مصر يُقبِّلُ يـ شيخ الإسلام ابن دقيق العيد.

فيا ترى لماذا فقد علماء المسلمين احترامهم أمام هؤلاء الحكام وأمام جماهير المسلمين؟

ولماذا تغاضوا عن رسالة التنوير والتعليم والتثقيف لهذه الأمة المنكوبة في يومها هذا؟!

3 - عمرو بن عبيد بين أبي جعفر المنصور ومحمد النفس الزكية (93 - 145 هـ): رأينا سابقا أن عمرو بن عبيد لم يرتح لسياسة المنصور، ووقف منه موقفا معارضا أحيانا، ومهاجما أحيانا كثيرة. وعندما عرض عليه المنصور أن يفوضه هو وأصحابه للمشاركة في الحكم رفض هذا العرض وقال له قولته المشهورة: "ارْفَعْ عَلَمَ الحَقِّ يَتَّبِعْكَ أَهْلُه". وفي موقف آخر قال له:

ادْعُنَا بِعَدْلِكَ تَسْخُ أنفسنا بعونك، ببابك ألف مظلمة، ارْدُدْ منها شيئا نعلم أنك صادق (1). ثم يرجوه ألا يرسل إليه أو يطلبه فيهرب منه ويعود إلى البصرة حيث كان يعيش. وإلى هنا ندرك أن عمرا ظل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بالقلب والحوار والنقاش والوعظ واللسان، ولم يَتَعَدَّ هذه الدائرة إلى الدعوة لاستخدام السيف أو القتال أو التمرد أو الثورة على سلطان المنصور. على أن السادة العلماء يختلفون في هذه المسألة، أي موقفهم من محمد بن عبد الله. الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المسمى بالنفس الزكية، الذي كان يُعد العدة للثورة على أبي جعفر المنصور. وقد انقسموا بشأن هذه المسألة إلى رأيين: الرأي الأول: يقول إن عمرا اكتفى بالوعظ والتوجيه للخليفة المنصور، ونقد سياسته، ولكنه لم يخرج عليه.

ويؤيد هذا الرأي ابن قتيبة والخطيب البغدادي ونشوان الحميري وابن خلكان، ويوردون رواية متقاربة، مفادها أن المنصور سأل عمرا قائلا له: "بلغني أن محمد بن عبدالله كتب إليك كتابا قال: قد جاءني كتاب يشبه أن يكون كتابه.

قال: فيم أجبته؟

قال: أو ليس قد عرفت رأيي في السيف أيام كنت تختلف إلينا؟ إني لا أراه.

(1) عيون الأخبار، 364/ 2.