عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١٥٩عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
قال: أجل، لكن تحلف ليطمئن قلبي. قال: لئن كذبتك تقية لأحلفن لك تقية.
قال والله والله أنت الصادق البر (1).
159
ونستنتج من هذا الحوار أن النفس الزكية أرسل إلى عمرو يطلب منه العون والتأييد،
والمشاركة في الثورة المرتقبة، ولكن عمرا كان واضحا وصريحا، إذ رفض مبدأ تغيير المنكر بالسيف. وذكر المنصور أنه مازال يعتنق هذا المبدأ.
ويؤيد العلامة أحمد أمين ومعه الدكتور علي النشار - أنصار الرأي الأول، وقد عقب على الحوار السابق بقوله: فكأن هوى عمرو مع محمد النفس الزكية، وأنه لم ير استعمال السيف فهو ينكر على المنصور مظالمه بلسانه ويعظه ويؤنبه، فأما السيف فلا (2) ".
أما الرأي الثاني: فيذهب أنصاره إلى أن عمرو بن عبيد ظل مواليا للمنصور، ولما ينس منه ومن إصلاحاته السياسية والاجتماعية بدأ يفكر في موالاة النفس الزكية ومعاضدة ثورته وحض
أنصاره على مد يد العون إليه، والانضمام إلى ثورته والمساهمة فيها بطريقة عملية فعالة. ويتشيع لهذا الرأي من القدماء الأصفهاني، ومن المعاصرين أستاذنا الدكتور أحمد صبحي. ويبدو لي أن تفكير عمرو مر بمراحل ثلاث حتى استقر رأيه على ضرورة مبايعة محمد
النفس الزكية
ففي المرحلة الأولى: دعا النفس الزكية، عمرا، وكانا مطاعا في المعتزلة، إلا أنه اعتذر له.
(1) تاريخ بغداد 199/ 12
(2) ضحى الإسلام 84/ 3. وأيضا نشأة الفكر 140/ 2
ذكر الذهبي في رواية عن يحي بن معين أن عمرو بن عبيد كان يرى السيف. وفي رواية أخرى: أتاه غريبان من أهل الجبال فقالا: يا أبا عثمان، ما ترى ما تواطأ في بلادنا من الظلم! قال: موتوا كراما، ثم التفت إلي (أي الراوي وهو حميد بن إبراهيم) فقال: لا نزال بغمنا. (ميزان الاعتدال، ص 280). يعد الذهبي الوحيد الذي انفرد برواية أن عمرا يرى السيف، وأنه يحرض المسلمين على مقاومة الظلم باستخدام القوة، وما عرضناه سابقا يدحض قول الذهبي، إذ يرى أن تغيير المنكر يكون بالقلب واللسان دون اليد.