عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ١٦٥

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

2 - ومن مظاهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند عمرو تتبعه للظواهر الاجتماعية السنية داخل انجتمع ومحاولة تقويم اعوجاجها، ونقدها، وإظهار معايبه.

وبالجملة محاربتها ومحوها من المجتمع كظاهرة الإسراف والتبذخ لذي كان يعيشه بعض الولاة، واستغلال المال العام في الإنفاق على ملذاتهم، وانتشار شعر المجرات، وشرب الخمر، وظاهرة جريمة قوم لوط التي انتشرت في جيوش العباسيين، بعد منع أبي مسلم الخراساني من اصطحاب الجنود لنسائهم، والاكتفاء باصطحاب الغلمان. وما يحكيه المؤرخون عن سيرة الأمين وحبه للغلمان

معلوم و مشهور.

وإذا كانت الجرأة قد دفعت عمرا لنقد تصرفات الخليفة وسلوكياته التي لا تتفق مع المفاهيم الدينية، فمن باب أولى أن يكون أجرأ وأشد حمية في نقد تصرفات الولاة، وأن يعلن ذلك على الملا مشهرًا بهم دون خوف أو وجل.

فيقال: إنه مر على جماعة عكوف فقال: ما هذا؟ قالوا: سارق يُقطع. فقال: لا إله إلا الله، سارق السر يَقْطَعُ سارق العلانية.

www

وفي هذا المسلك تعبير عن نقده لأحوال المجتمع، وشجاعته في القول والتعريض بالولاة المفسدين، الذين يأمرون بالبر وينسون أنفسهم، فَيَنْهَبُونَ أموال الدولة في الخفاء، ثم يُنفذون الحد في سارق كسرة خبز يسد بها جوعه. وكذلك من دلائل هجومه على هؤلاء الولاة والأمراء ما أشرنا إليه سابقا من أن شبيب ابن شيبة والي البصرة أراد أن يوفد وفدا لمقابلة أمير العراق وطلب من عمرو أن يذهب مع هذا الوفد، ولكن عمرا امتنع ورفض بشدة، وقال له: إن أول ما يسألني عنه سيرتك، فما تراني قائلا؟ فسکت شبيب وكف عنه (2).

والدلالة واضحة البيان أن عمرا إذا ذهب لمقابلة أمير العراق وكان حينذاك عبدالله بن

عمر بن عبدالعزيز - فسوف يخبره بسيرة شبيب، وأنه لن ينافق أبدا، أو يزوق له الكلام. وفي رواية أخرى تقول: إن شبيبا كان يزور عمرا فعطس عنده ثلاث مرات ولا يشمته عمرو، وشبيب يرفع صوته بالتحميد، فقال له عمرو في الثالثة: لو تقطعت نفسك ما سمعتها مني أو

(1) عيون الأخبار، 120/ 1. العقد الفريد، 298/ 1، (تح: أحمد أمين).

(2) وفيات الأعيان، 219/ 2