عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١٧٨178
عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
الفرقتين المتقاتلتين يوم الجمل؛ وذلك أن واصلا إنما رد شهادة رجلين أحدهما من أصحاب الجمل والآخر من أصحاب عليه وقبل شهادة رجلين كلاهما من أحد الفريقين، وزعم عمرو أن شهادتهما مردودة وإن كانا من فريق واحد؛ لأنه قال بفسق الفريقين جميعا (1).
ولا شك أن النص الذي ساقه البغدادي ينوء بالتهم الموجهة إلى الرَّجُلَيْن، وفيه نظرة التحقير والدونية لهؤلاء العلماء، في حين أن أغلب العلماء كانوا من الموالي، علاوة على أنهم قادوا الحركة العلمية في الحضارة الإسلامية، ولا نعرف لمصلحة من يشوه فكر علماء المسلمين؟ ويدعي على الناس أقوالا لم يقولوها، ويختلق حكايات أبعد ما تكون عن خلق المسلم، فضلا عن ضمير
المؤرخ الملتزم.
وفي هذا الباب سار أيضا الإسفراييني (471) هـ)، ولم يكتف بما نقله عن البغدادي وهو مؤلم، بل زاد من عنده أقوالا أخرى يدركها القارئ بلمحة واحدة وبقليل من التأمل. يقول: العمرية هم أتباع عمرو بن عبيد، وكان يوافق واصلا فيما ذكرنا من بدعته، وزاد عليه أن قال: كلا الفريقين من أصحاب حرب الجمل فَسَقُوا وهم خالدون مخلدون في النار وهؤلاء لا يقبلون شهادة واحد من فريقي حرب الجمل"
وهكذا أصبحت الاتهامات مثل كرة الثلج تبدأ في حجم بَيْضِ الْحَمام، وتنتهي في السفح
إلى حجم الفيل، وكلما مرت السنون تضخمت الأقوال ونَمَتْ وأصبحت في صورة أساطير الأولين، وتراكمت الأكاذيب حتى صارت تملأ بحار الدنيا ملحا أجاجا وسُمَّا زعافا.
أما الشهرستاني (548 هـ) الذي نطلق عليه المؤرخ المنصف فيبدو أنه ينقل عن البغدادي حرفيا، إذ يعود إلى نغمة المتلاعنين وتهمة الفسق وباقة البقل المشهود عليها، ويذكر كل ذلك كأنه حقائق تاريخية (3)، ولا يدع لنفسه فرصة أن يحقق ذلك، أو يدقق فيما ينقله، أو يشكك في بعض الروايات، لاسيما وأن إمامه الغزالي الأشعري قد طرح منهج الشك كوسيلة لغربلة الأفكار، أو على الأقل يعود إلى ما كتبه مؤسس المذهب الأشعري عن هؤلاء المشايخ.
(1) الفرق بين الفرق ص 121
(2) التبصير في الدين، ص 42.
(3) الملل 49/ 1