عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ١٧٩

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

179

ويبدو لي أن هؤلاء المؤرخين شعراء في المقام الأول، ويتميزون بخصب الخيال وسعة الأفق وقوة المخيلة، فيحلقون في الفضاء، وينسبون صورا من بنات أفكارهم ويخترعون حكايات أقرب ما تكون لعالم المثل عند أفلاطون أو تهويمات أفلوطين في الفيض أو تصورات العرب عن الجن والسعلاة كما أوردها الجاحظ الضاحك الساخر في الحيوان. هذه نقطة. والأخرى: لو حَلَلْنَا دوافع هذا التزيد، ورمي الخصوم بمثل هذه التهم البشعة لوجدنا أن الدافع لذلك هو التعصب" الممقوت والتحزب البغيض. إذ يعتقد الأشعرية أن جميع الفرق هالكة في النار، ولذلك أطلق مؤرخ مثل ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث والبغدادي في الفرق بين الفرق وصاحب تاريخ بغداد وكثير أمثالهم ..

أقول: أطلقوا لأقلامهم العنان للنيل من شخصيات الفرق المخالفة لأفكارهم، والتحقير من أصولهم، علاوة على رميهم بالبدعة والضلال، وأخيرا تأتي تهمة الكفر.

ولعل من الأسباب الداعية لهذا الموقف: أن يكون المؤلف مدفوعا بدافع البغضاء والكراهية الجماعة من الجماعات دينية أو وطنية أو اجتماعية، أو بدافع الاختلاف في الرأي مع مبدا من المبادئ أو حزب من الأحزاب، فيميل دائما في هذه الحالة إلى تمجيد مبادئه هو أو مبادئ الشيعة التي ينتسب إليها والحط من قيمة الخصوم، وتزيف أقوالهم، والتقول عليهم بأشياء لم يقولوها إطلاقا، وإنما قصد بها كذبا التشهير بهم، فَيُزيّف عليهم أقوالا لم يقولوها (1).

خلاصة القول أن هؤلاء المؤرخين أساؤوا للفكر الإسلامي وشوهوا آراءه، وأثاروا الحقد والعداء، واستعدوا السلطات الحاكمة في قضايا أبسط ما يقال فيها: إنها تحتمل وجهات نظر متعددة، ونستطيع أن ننظر لكل قضية من زاوية معينة. ومادام الإيمان يجمعنا، ووحدة الإسلام تربطنا، والقرآن يوحدنا، فلماذا لا يسود التسامح بيننا، وليعذر بعضنا بعضا، ونفسح المجال لتقادح الآراء واستنباط أفكار جديدة من النصوص، وهي حُبلى بالمعطيات، وتستطيع أن تمد كل عصر من العصور بمزيد من الأفكار والآراء، بما يساعد على تطوير حياتنا المعاصرة، وندع التعصب جانبا،

*

التعصب: هو اعتقاد باطل بأن المرء يحتكر لنفسه الحقيقة أو الفضيلة، وبأن غيره يفتقرون إليها، ومن ثم فهم دائما مخطئون أو

خاطنون رد فؤاد زكريا التفكير العلمي، ص 216، ط: ذات السلاسل الكويت، 1989 م).

(1) د. بدوي: مناهج البحث العلمي، ص 212، 213) مناهج البحث العلمي، وكالة المطبوعات الكويت، 1977 م).