عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١٨٢182
عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
وبرر الكثير من أعماله، لكنه يعترف في نهاية الدفاع بخروج معاوية على الإمام علي، ويعد هذا بغيا منه، ويرجو رحمة ربه له (1).
وإذا ذهبنا نتقصى دوافع عمرو بن عبيد تجاه الفريقين فلن يستعصي علينا وضع أيدينا على هذه الأسباب، ليس هذا فحسب بل ربما تبدو لنا، مفهومة، وتكاد تكون بديهية لمن يعرف سيرة الفريقين وموقفهما من الإسلام.
فالفارق كبير بين أصحاب الْجَمَل وأصحاب صفين.
وكما رأينا فقد توقف عمرو في الحكم على أصحاب الجمل، بيد أنه يدين بشدة خروج معاوية على الإمام المنتخب والمقارنة بادية للعيان فعائشة أم المؤمنين ومعها صحابيان جليلان لهما سابقة في الإسلام، وضمن المبشرين بالجنة وهم جميعا من أوائل المجاهدين في نشر الإسلام.
وحقيقة دوافعهم في الخروج على الإمام علي ومحاربته تختلف كلية عن حقيقة دوافع أصحاب صفين، فلا يتمتع معاوية بهذا القسط من الدفاع عن الإسلام، ورصيده في هذا المجال هزيل، ولا يقاس تاريخه بتاريخ هؤلاء الأولين السابقين. ومن الحقائق المعلومة أنه وأباه أبا سفيان من الطلقاء علاوة على عدائهم الشديد للإسلام قبل الفتح وحسدهم الواسع لبني هاشم. ومهما قلنا فإن الإسلام يَجُبُّ ما قبله ويمحو صفحة الماضي، لكن هذه حقائق تاريخية توضع في الحسبان عند المقارنة، وتحتل صفحات عريضة في التاريخ، وتسجل لكل إنسان دوره في مساندة الإسلام أو محاربته. أضف إلى ذلك أن معاوية اتخذ قضية الثأر لعثمان وقميصه المزعوم لتبرير تمرده على الخليفة المنتخب، ثم جَيَّسَ الجيوش وزحف لمحاربة المسلمين، وخرج من الشام إلى صفين. ثم توالت بعد ذلك مجموعة من الخدع المعروفة في التاريخ الإسلامي: من رفع المصاحف، ثم خداع عمرو بن العاص" الواضح لأبي موسى الأشعري وكلها مواقف لا تمت لمبادئ الإسلام
(1) المنتقى من منهاج السنة، ص 249.
* يجب التنويه أننا لا نقلل من قيمة معاوية ودوره في خدمة الإسلام ومواقفه الإيجابية الأخرى، وكذلك عمرو بن العاص وبطولاته، وهزيمته للرومان، وفتوحاته العظيمة، لاسيما فلسطين ومصر، مما شجع جيوش المسلمين على مواصلة التقدم لفتح شمال إفريقيا، فكل هذا محمود مشكور. ولكننا بصدد تحليل موقف محدد، وواقعة تاريخية مشهورة، وتحاول أن نقيمها في ضوء مبادئ
الإسلام.