عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١٩٠عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
الجانب النظري إننا نعتقد أن الجانب النظري الذي خلفه عمرو بن عبيد بالاشتراك مع صديقه واصل بن عطاء هو الذي أدخله تاريخ علم الكلام، فهو يعد مؤسس مدرسة المعتزلة بما لها من تاريخ مشهور في الفكر الإسلامي، وهي التي ظلت تعمل في خدمة الإسلام ثم انقسمت إلى مدرستين: مدرسة البصرة، وهي التي رأسها عمرو بعد واصل وكذلك مدرسة بغداد، وظلت تعمل وتجادل وتنافس بروح علمية، وتفسر القرآن الكريم بمنطلقات جديدة، وتوسع من آفاق المعرفة الإنسانية حتى جاءتها هجمة المتوكل القاسية، ومع هذا ظلت قائمة في فكر الجبائيين والقاضي عبد الجبار، والزمخشري وصفوة من الفقهاء والمفسرين والنحويين وكذلك مع علماء المسلمين في الدولة البويهية التي اعتنقت الفكر الشيعي الزيدي. وكان التلاقح بينها وبين الفكر الزيدي قد بدا مع واصل وزيد بن علي بن الحسين، ثم الإمام الهادي يحيى بن الحسين الذي استطاع أن يقيم له دولة
في اليمن. ومعنى ذلك أن فكر المعتزلة كان له نفوذ واسع تجلى في دولتين: الدولة البويهية في الجبل والديلم، ثم في بغداد عاصمة الخلافة آنذاك، والدولة الزيدية في اليمن. أضف إلى ذلك يعد عمرو مع صديقه مؤسس القواعد الأربعة وهي كما أشار إليها الشهرستاني: الصفات والعدل والمنزلة بين المنزلتين، ورأيهما في أصحاب الجمل وصفين. وقد تبلورت هذه القواعد في الأصول الخمسة، وظهرت في صورتها المعلومة عليها الآن كما هو معلوم في كتب علم الكلام.
هذه القواعد كانت تتضمن في باطنها هذه الأصول، وهي مضمرة فيها
فالأصل الأول: وهو التوحيد يشرح حقيقة الصفات، وقد ذهب المعتزلة إلى إنكار التفرقة بين الذات والصفات، وقالوا: إن الله عالم بذاته، إذ إنه لا يحتاج إلى شيء خارج عن ذاته يسمى العلم، وكذلك في باقي الصفات فهو قادر بذاته، حي بذاته، مريد بذاته.
ونحب أن ننوه أنهم لم ينفوا الصفات كما ادعى خصومهم ولا يوجد مسلم ينكر صفات الله، ولكنهم نظروا إلى الصفات نظرة تتزيهية توحيدية تليق بقوله: لَيْسَ كَمِثْله شَيْءٌ (الشورى: (11) فشنع عليهم خصومهم وادعوا أنهم ينفون الصفات.
وكما حللوا صفات الذات تحليلا فلسفيا عرجوا على الصفات الحسية: من الوجه واليد
والعين والجنب والساق وأولوها تأويلا يتسق مع الكلام الإلهي، وشرحوها شرحا يتفق مع دلالاتها