عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١٩١عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
191
اللغوية وعدم الاقتصار على الدلالة النصية وهذا ما أخذ به بعد ذلك متأخر و الأشعرية، أمثال فخر الدين الرازي، ووافقهم في ذلك الزيدية والإباضية.
أما القاعدة الثانية: وهي العدل فهي التي انبثق منها الأصل الثاني، وهو أن الله عادل لا يظلم الناس مثقال ذرة. ودافعوا بكل ما أوتوا من قوة عن الحرية الإنسانية وقدرتها على إيجاد الأفعال وناضلوا نضالا طويلا في إرساء هذه المفاهيم في الساحة الثقافية لتنوير عقول المسلمين في مواجهة جبهة أخرى جبرية كانت تنادي بإنكار حرية الإنسان ولاشك أن الأبعاد السياسية اختلطت بالأبعاد الدينية، فلم تكن صورة المعركة دينية فحسب، بل كانت في مضمونها معركة سياسية أيضا. وقد تفتق عن ذلك القول بالاستطاعة والصلاح والأصلح واللطف، وباقي القضايا في جليل
الكلام.
أما القاعدة الرابعة وهي المنزلة بين المتزلتين، فقد نجمت من بعد سياسي أيضا، وهو الحديث عن مرتكب الكبيرة في حق المسلمين، فهي استكمال لأصل العدل وامتداد له؛ "لأنه كلام في أن الله ما إذا علم أن صلاحنا في أن يتعبدنا بإجراء الأسماء والأحكام على المكلفين وجب أن يتعبدنا به ومن العدل أن لا يخل بالوا بالواجب (1). والكلام نفسه في الوعد والوعيد أما مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فهو من الأحكام العملية المعروفة في الدين الإسلامي، وهذا الجانب من الجوانب العملية التي قام بها المعتزلة، وذلك بتحويلها إلى سلوك عملي في حياة المسلمين.
وبعد الأصول الخمسة كان للمعتزلة موقف واضح في قضية الإمامة، وقد جعلناها ضميمة لهذه الأصول. الحقيقة أن الذي يبقى لنا نحن المعاصرين من هذه الأصول هو هذا المنهج الجريء الذي اتبعه عمرو، فنحن مازلنا في أحوج ما يكون إلى هذا المنهج، بصرف النظر عن مضمونه، فنحن نستطيع أن نفرغه من مضمونه ونملأه بمضامين جديدة من قضايانا المعاصرة، لكي نناقشه بالقوة نفسها والجرأة نفسها بهذه الروح الفتية القوية التي تحتكم إلى العقل والاستدلال المنطقي في قضايا الحرية: الحرية الإنسانية بجميع أبعادها الحرية العقلية الحرية في التفكير والإبداع، حرية المحكومين في مبدا الشورى واختيار الحاكم المسلم الذي تتوافر فيه الشروط التي أقرها علماء المسلمين، والتزام كل طرف بمبادئ العقد الاجتماعي المبرم بينهما، وحق هذه الجماهير في الطاعة حينما يؤدي
(1) شرح الأصول الخمسة، ص 25.