عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ١٩٢

19

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

الحاكم واجباته وحقها أيضا في العصيان والتمرد والثورة في إيجاد حاكم جديد وسلطان جديد يحكم بالمبادئ المتفق عليها، وكذلك حرية المسلمين في العدالة الاجتماعية كمبدإ غالب من حياة المسلمين، العدالة الاجتماعية كما شرحها الإسلام العدالة في الثروة وفي الكفاءات الشخصية وفي قيام الدولة بحق المحتاجين وسد مطالبهم، وفي أخد الحق من الظالم وإعادته إلى المظلوم. الحقيقة أننا في حاجة إلى هذه الروح "النقادة التحررية الجريئة التي تحب الفلسفة، وتطلب الاعتدال، وتريد التجدد، وتمجد العقل، وتقدس الحرية وتنقي مبدأ الوحدانية من شوائب التجسيم والتشبيه روحهم هذه لَشَدُّ ما نحن محتاجون إليها مفتقرون إلى إحيائها كي تبعث فينا قوة جديدة وأملا جديدا وكي نحل بها مشاكلنا الكثيرة الحاضرة (1).

4 - الجانب العملي

لعل هذا الجانب السلوكي هو الأظهر في حياة عمرو بن عبيد والأبرز، قسماته الشخصية التي نوهنا بها أعجب بها الأصدقاء والأعداء معا وتَجَمُّلُهُ بصفات مثل الزهد والورع والتقوى والتواضع، والتعفف عن مال الحكام ومجانبته عن مجالستهم دَرْءًا للظنون، وبعدا عن الشبهات دعت أغلبية المؤرخين إلى أن يشيدوا بها، ويذكروها في مناسبات عدة، ويُجلُّوا مقامه، ويُغلُوا من شأنه. هذا المسلك الأخلاقي هو الذي دعا خليفة في مقام أبي جعفر المنصور أن يصلي عليه بعد أن مات حينما مر بقبره، ويقول فيه شعرا، ظل يتردد صداه في أبيات اللغة العربية، ويعدهُ رَجُلا من طيبات الحياة، مُتَفَرِّدًا نسيج وحده في التعفف والتسامح والسمو الأخلاقي، متعالية

زاهدا

عن سفاسف الأمور. يقول في حقه لما مات "ما بقي أحد يُستحى منه". ويبدو أن ابنه الخليفة المهدي كان معجبا أشد الإعجاب بزهده وبمنهجه في الحياة ومضمون وعظه وحقيقة أقواله، إذ كان يقول لشبيب بن شيبة يا أبا، معن، حدثنا وزين مجلسنا بحديث عمرو بن عبيد (3).

هذا عن حقيقة المقومات النفسية والسلوكية لشخصية عمرو بن عبيد. أما من المنظور الاجتماعي فنرى أنه قد ضرب أروع المثل في محاولة تطبيق هذه الصفات في الواقع العملي، وهذا

ما أشرنا إليه سابقا.

(1) زهدي جار الله المعتزلة، ص 273

(2) ابن المرتضى طبقات المعتزلة، ص 122