عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ٢٣عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
23
في أجهزة الدولة الأموية، فعمل شُرْطيًّا تحت إمرة الحجاج (95 هـ) أمير العراق، صاحب السيف الباتر الظالم في التاريخ الأموي، ومن طبائع الأمور أن يكون عبيد أداة طيعة لتنفيذ أوامر الحجاج المتعسفة، لذلك تَنَدَّرَ الناس كلما رأوا عمرا مع أبيه قائلين: خير الناس ابن شر الناس"، فيقول عبيد: "صدقتم هذا إبراهيم وأنا آزر". (1)
وهذه المقولة تكشف المفارقة العجيبة بين طيبة الابن وصفاء سريرته، وقسوة الأب وغلظة
قلبه، وإقرار الأب بذلك واعترافه بأن ابنه في مسلكه يتشبه بالأنبياء وصفاتهم، أما هو فلا شك أن عمله يسيء على سريرته ويضفي عليه صبغة السوء والشر.
ولد عمرو عام (80 هـ في البصرة التي كانت تمثل أحد مراكز الثقافة العربية آنذاك، إذ كانت تضم أشتاتا من المذاهب والنحل المختلفة فضلا عن شهرتها في دراسة العلوم الدينية والعربية ووجود علماء أقطاب وزهاد كبار أمثال الحسن البصري (110 هـ) وحلقته المشهورة، وفيها التقى عمرو بصديقه وزميله واصل بن عطاء (131 هـ)، وتزاملا معا وأصبحا من مريديه ومن كبار أصحابه، واستمعا إلى دروسه في التفسير والحديث والفقه وأحكام القرآن، والقول بحرية الإرادة وقدرة الإنسان على ممارسة حياته دون قيد أو قهر واتصال الأمر بالحديث عن الزهد والتقوى والتعالي عن طيبات الحياة الدنيا على أن يمتلكها الإنسان دون أن تتملكه هي بمباهجها
ورذائلها.
،
مال عمرو إلى واصل، فربطت بينهما وشائج المحبة وأواصر الصداقة، علاوة على وحدة المنهج والاتفاق في الاتجاه الفكري والأخذ بالترعة العقلية كأسلوب لفهم نصوص القرآن الكريم والحديث النبوي وقراءة أحداث التاريخ الإسلامي الوليد، ومحاولة فهم مجريات الأمور التي تقع داخل الدولة الأموية. ومن خلال هذا الإعجاب المتبادل والعلاقة القوية والصداقة الفكرية، زَوَّجَ عمرو أخته، لواصل وقال لها: زَوَّجتك برجل ما يصلح إلا أن يكون خليفة". (2)
وهذا يدل على مدى تقدير عمرو لشخصية واصل وثقته به، وبعلمه، وبعد أن كان عمرو وواصل أنصار الحسن ومن المواظبين على حضور دروسه والإنصات لمواعظه، فارقا مجلسه بسبب
(1) ابن قتيبة المعارف، ص 483 نشوان الحميري: الحور العين، ص 163.
(2) الانتصار، ص 206 ميزان الاعتدال 275/ 3