عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ٢٤24
عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
الخلاف المشهور الذي وقع بينهما في تحديد ماهية مرتكب الكبيرة، واستطاعا أن يؤسسا مذهبا
مستقلا.
وقد تأثر عمرو بآراء معبد الجهني (80 هـ) وغيلان الدمشقي (105 هـ)، وأخذ عنهما القول بتقرير حرية الإرادة، ومحاربة مذهب الجبرية واستمد من الجعد بن درهم (140 هـ) وجهم بن صفوان (128 هـ) الترعة التأويلية للنصوص وإعمال العقل فيها، مما أفضى به إلى الدعوة إلى تأويل الصفات وإعلان القول بخلق القرآن. أضف إلى ذلك حضوره دروس الحن البصري، وجلسات الفضل بن عيسى الرقاشي (140 هـ) وهو أحد الوعاظ البصريين الكبار ويعد من دعاة القدرية أي أن العلم الإلهي السابق لا يحمل البشر على فعل المعاصي أو ترك الحسنات ومن الخطباء المفوهين والقصاصين المجيدين.
أجمع المؤرخون أن عمرو بن عبيد من كبار الزهاد العباد التقاة النقاة، العاكفين على العبادة، المنهمكين في الذكر والابتهال، "وكان عالما عاقلا عابدًا، وذا بيان وصاحب قرآن (1)، حج أربعين سنة ماشيًا وبعيره يُقاد يركبه الفقير والضعيف والمحتاج، والمريض يحيي الليل كله في ركعة واحدة فَعَل ذلك غير مرة في المسجد الحرام"، متواضع مع إخوانه، كين الجانب، عفيف اللسان حسن القول، محب للحق، شجاع مع الولاة جريء في حواره مع الخلفاء، صادق في نصحه للخليفة المنصور (158 هـ) الذي قربه وأكرمه، وكان يبكي بحرارة من وعظه المؤثر وصدق لهجته وقوة حجته (2)، وقد حاول المنصور أن يغدق عليه عطاياه ويخلع عليه هداياه، ولكن عمرًا كان يرفض رفضا قاطعا ويصده بشدة ويأبى أن يأخذ شيئا من هباته لذلك قال المنصور: ألقيت الحب للناس فلقطوا إلا عمرو بن عبيد ثم ردد كلكم يمشي رويد .. كلكم يطلب صيد .. غير عمرو بن
عبيد (
(1) البيان، 306/ 1.
* لا نشك أن هذا من مبالغة المؤرخين لاسيما المتشيعين للاعتزال، ونحن لا نوافق على مثل هذه الأوصاف التي تخرج عن قدرة
الطاقة الإنسانية، ويكفي أن نقول إنه من العباد والزهاد.
(2) تاريخ بغداد 198/ 2
(3) مروج الذهب، 312/ 3 تاريخ بغداد 169/ 12. الحور العين، ص 164.