عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ٢٨28
عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
اشتهر الحسن بجرأته في مواجهة ولاة الدولة الأموية، مثل وعظه لعمر بن هبيرة والي
العراق وإغلاظ القول له وتحذيره من عاقبة أعماله، ومقاومته ظلم الحجاج والتنديد بأعماله ومحاربة المذهب الجبري الذي اعتنقته الدولة الأموية خدمةً لأهدافها السياسية، وحديثه المستفيض عن حرية الإرادة وخوضه في مسائل القضاء والقدر، وإنكاره بأن يكون ظلم الأمويين بقدر الله وقد أرسل رسالة إلى عبد الملك بن مروان (86 هـ) يؤكد فيها على حرية الإرادة الإنسانية، وأن الظلم الواقع يجري بمقدور الإنسان وكذلك الخير، مع أن كل شيء بقضاء الله وقدره لكن المعاصي تُنسَبُ إلى الإنسان، وأن الله لا يُضِلُّ أحدًا، إنما يقع الضلال منه بعد أن يختار الإنان طريق الغواية والشر، ولا تجيء الهداية الإلهية إليه إلا بعد أن يقرر المضي في طريق الرشاد والخير (1) الحقيقة أننا بصدد شخصية خصبة تربوية علمية مهيبة كادت" تبرأ في جوهرها من النفاق والقول والعمل، وتسلم من التناقض الصريح بين ما تريده وما تجده (2). وهذا ما دعا أغلب الفرق الإسلامية أن تتنازع في نسبته إليها، فقد ذكر الخوارزمي (383 هـ) أن المعتزلة يعتدون به كما يعتد الصوفية ويدعونه لأنفسهم اعتداد الشيعة بالوصي (3)، علاوةً على أن أهل السلف يقولون أن
الحسن منا.
ونحب أن ننوه بمكانة دروس الحسن التي أثرت في شخصية عمرو، ونهل منها. فقد وصفها أبو حيان التوحيدي (403 هـ) بأسلوبه الأدبي المؤثر، ومقدرته اللغوية الفائقة، وطول نفسه، وقوة عباراته، وجودة رصف المعاني، إذ يقول: يجمع مجلسه ضروبًا من الناس وأصناف اللباس لما يوسعه من بيان ويفيض عليهم بأفنائه، هذا يأخذ عنه الحديث، وهذا يلقن منه التأويل، وهذا يسمع منه الحلال والحرام، وهذا يتبعه في كلامه وهذا يجرد له المقالة، وهذا يحكي له الفتيا، وهذا يتعلم الحكم والقضاء، وهذا يسمع الموعظة، وهو في جميع هذا كالبحر العجاج تدفقا … يجلس تت كرسيه (قتادة) صاحب التفسير، و (عمرو) و (واصل) صاحبا الكلام وابن أبي إسحاق) صاحب النحو، و (فرقد السنجي صاحب الرقائق، وأشباه هؤلاء ونظراؤهم"
(1) الرسالة الكاملة نشرها د. محمد عمارة، ضمن رسائل العدل والتوحيد، 81/ 1 - 88
(2) إحسان عباس: الحسن البصري، ص 3.
(3) منز: الحضارة الإسلامية، 333/ 1.
(4) المقابسات، ص 54.