عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ٣٣عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
33
الله
ثم قال: يرحم الله واصل بن عطاء فرفع عمرو رأسه وقد اغرورقت عيناه ثم قال: نعم، يرحم واصلا كان لي رأسًا وكنت له ذنبًا، والله ما رأيت أعبد من واصل ولا أزهد ولا أعلم منه، والله الذي لا إله إلا هو لصحبت واصلا ثلاثين سنةً ما رأيته عصى الله قط (1)
وهذه الرواية مع تحفظنا عليها - تؤكد مجموعة من الحقائق فهي توضح سعة علم واصل وصفاته الشخصية، وتؤكد قوة الرابطة بين الرجلين من ناحية ثانية وثالثا تبرز بجلاء حب عمرو وتعظيمه لصديقه ووفاءه له بعد وفاته.
تبقى نقطة نحب أن نناقشها فقد ذكر أحد الباحثين أنه يعد واصل بن عطاء مجددًا من
جهة ما يدعو إليه من حرية الرأي واتباع ما يرشد إليه العقل في النظر العلمي والفلفي والديني (2).
ومع تقديرنا لجهود واصل العلمية، وتأسيسه للأصول الخمسة، ونهجه هذا النهج العقلي
في علم الكلام، لكن من الإنصاف القول أنه قد سبقه في هذا المضمار معبد بن خالد الجهني (80 هـ) وقد توفي في السنة الذي ولد فيها واصل وكذلك غيلان الدمشقي (105 هـ) الذي كان قرينا لواصل وعمرو، وصديقا لهما.
وكلاهما من الممهدين الأوائل للدعوة إلى حرية الإرادة ومحاربة الاتجاه الجبري الذي دعا إليه جهم بن صفوان (128 هـ) في فلسفته، وكانا يقرران أن القدر خيره وشره من العبد أي أن طبيعة الأفعال خيرة أم شريرة ترجع إلى من صدرت عنه، وأن العلم الإلهي السابق ليس له صلة بإيجاد الأفعال أو إعدامها، إذ لا يوجد أمر إلهي يجبر الإنسان على الإتيان بأفعاله، فهو الذي يقرر ويختار بإرادته الحرة وتفكيره العميق. هذه نقطة.
(1) الحور العين، ص 263. ونعتقد أن هذا من مبالغات المؤرخين؛ لأن الطبيعة الإنسانية تأبى أن يكون الإنسان ملاكا ميرا من العيوب. يقول الأستاذ العقاد: إن الحيوانات لا تخطئ في أعمالها، وإنما الخطأ مزية الارتقاء، وكلما عظم الإنسان كثر تعرضه للخطا في أعماله؛ لأنها تعظم وتتعدد جوانبها وتتباعد أقيستها فيطرقها الزلل من حيث تداخلها أسباب الكمال (خلاصة يومية،
ص 508).
(2) مظهر تاريخ الفكر، ص 111