عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ٣٤

34

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

والأخرى أنهما قد وقفا موقفًا مشرفًا في مواجهة مظالم الأمويين، فالأول شارك في ثورة

عبد الرحمن بن الأشعت والثاني ندد علانية بتجاوزات الحكم الأموي واتهمهم بالخيانة، وقدم النصح الرشيد إلى عمر بن عبدالعزيز (101 هـ واشترك معه في شؤون الحكم، وتولى بيع الأمتعة الموجودة في الخزائن). والثالثة، أن جهم بن صفوان على الرغم من قوله بالجبرية إلا أنه من أنصار التأويل العقلي وكان من الدعاة الأوائل إلى إعمال العقل في النصوص الدينية.

موازنة بين واصل وعمرو:

لاشك أن هناك قواسم مشتركة تجمع بين واصل وعمرو لاسيما فيما يتعلق بالجانب

السلوكي والجانب العلمي، وهناك مميزات يتفرد بها كل منهما عن الآخر.

ففي الجانب السلوكي يجمع بينهما العكوف على العبادة ومداومة الذكر والصلاة والزهد في طيبات الحياة والورع والتقوى في العمل، والخوف من اقتراف المعصية، والإقبال بكنه الهمة على الله، والإعراض عن ولاة الأمر وأصحاب السلطان ورفض هاتهم، أضف إلى ذلك إنكار البدعة بالقول والعمل، والقيام بتكاليف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا جدال أنهما استمدا هذه الصفات الأخلاقية من أنوار القرآن الكريم، وكذلك حياة الرسول والتي تجد أنموذج الإنسان الكامل، وأنهما حاولا أن يقتديا به قدر الطاقة الإنسانية. علاوة على ذلك لاشك أنهما تأثرا تأثرًا واضحًا بمسلك الحسن البصري الذي كان يرتدي الصوف تشبها بالبدريين، فهذا الأنموذج المرئي المعيش المتمثل في شخصية الحسن طبع شخصيتهما بطابعه، وقدم لهما ضربا من النمط السلوكي المؤمن.

ولا غرو أن مثل هذه الشخصيات التاريخية يكون لها مقدرة على تكوين الرجال واستهواء من يسيرون في ركابهم، وصبغ شخصيتهم بصفاقهم، فضلا عن أن هذه الشخصيات تكون طيعة على التشكيل.

ولعل شخصية عمرو تبرز شخصية واصل في هذا المجال، وقد أبرز المؤرخون عددًا من

الروايات التي تتكلم عن زهد عمرو وتألهه وعبادته.

(1) الزيني: شهداء الفكر في الإسلام، ص 76.