عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ٣٥

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

35

قال أبو القاسم البلخي (319 هـ): "العمرو فضائل كثيرة لا يجمعها إلا كتاب مفرد (1). أما في الجانب العلمي، فمن الواضح أن واصلا يتفوق على صديقه ويفوقه بمراحل، وعلى الرغم من كثرة علم عمرو بأمور الدين وإلمامه بالتفسير ومدارسته لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتبعه قضايا الفقه وأصوله، وبالجملة اهتمامه الواسع بالعلوم النقلية، إلا أن المرئي لنا أن عمرو بن عبيد كان دون واصل في هذا المجال، وأن أغلب الآراء الكلامية التي اعتنقها كانت مأخوذة من صديقه واصل وقد أضاف إليها القليل لاسيما ما سنراه بخصوص الموقف السياسي. على أننا لا نريد أن نصادر على المطلوب البرهان عليه لذلك نورد ما يؤكد صحة

النتيجة التي طرحناها، وندلل عليها بالحجة الواضحة والدليل الصريح والبرهان الساطع الدليل الأول: سئلت أخت عمرو وهي زوجة واصل أيهما أفضل؟

قالت بينهما كما بين السماء والأرض. فقيل: كيف كان علمهما؟

قالت: كان واصل إذا جنه الليل صف قدميه يصلي ولوح ودواة موضوعان بجواره، فإذا مرت به آية فيها حجة على مخالفيه جلس فكتبها ثم عاد إلى صلاته (3). وهذا يوضح أن واصلا يجمع بين العبادة والعلم والذكر والتفكير في الصلاة والغوص على معاني القرآن وكما هو مهتم بقضية أداء النوافل وقيام الليل فهو مهتم بالدرجة نفسها في استنباط حجج قوية للاستفادة منها في الجدل مع مخالفي مذهبه.

الدليل الثاني: أن عمرو بن عبيد كان في بداية حياته العلمية من أنصار الحسن، لكن حينما وقع الخلاف في مسألة مرتكبي الكبيرة وانفصال واصل عن الحلقة استطاع الأخير بحجته القوية وسعة علمه إقناع عمرو بوجهة نظره وإزالته عن حلقة الحسن وضمه إلى مذهبه الجديد، ثم استطاعا معا أن يؤسسا مذهب الاعتزال.

ونستأنس برأي العلامة أحمد أمين في هذه الموازنة لعمق تفكيره وسدادة رأيه وسعة اطلاعه، إذ يقول: "وميزة عمرو بن عبيد كانت أبين في أنه حي القلب يعظ فيجيد الوعظ، ثم

(1) الحور العين، ص 136.

(2) ابن المرتضى طبقات المعتزلة

سوف نورد هذه المناظرة كاملة عند الحديث عن المنزلة بين المتزلتين.