عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ٣٩

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

39

الشاعر الحكيم، وعبدالكريم بن أبي عوجاء (175 هـ)، وكانوا يتناشدون الأشعار ويتحدثون عن أمور الدولة العباسية).

تخلص مما سبق أن العوامل التي أثرت في تكوين عمرو بن عبيد العلمي، كانت متعددة، إذ توفر له نخبة من العلماء الزهاد والشعراء الحكماء، واحتك بكثير من رجال الحديث والفقهاء، واستطاع أن ينهل من فكرهم ويتأثر بتيار الزهاد ورجال الصوفية الذين بدأوا يؤسسون منهجا جديدًا قائمًا على مجانبة الدنيا والتوجه إلى الآخرة.

أضف إلى ذلك أن تيار الفكر الوافد قد بدأ يعمل مفعوله في عقول المعتزلة، وأعني به الفلسفة اليونانية ولاشك أنه استفاد استفادةً كبيرةً من انضمامه إلى هذا التيار العقلي المستنير في الفكر الإسلامي، ثم إن وجوده في مدينة البصرة مع تنوع ثقافتها أثرى روافده الثقافية ونمى فكره

الديني وزاد محصوله العلمي.

ثالثا: منهجه

رو بن عبيد

ذكرنا سابقا أن واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد هما اللذان أخذا على عاتقهما تحديد ملامح مذهب المعتزلة، ووضع القواعد الثابتة له التي أصبحت فيما بعد أصولا تاريخية اشتهر بها وميزته عن بقية المذاهب. ونحب أن نضيف أنهما خطا له منهجًا متفردًا من أبرز سماته الاعتماد على استدلال العقل وصحيح النقل، مع التأكيد على دور العقل في حركة الفكر، وفهم النصوص واستشفاف معطياتها، والغوص في أعماقها والوقوف أمامها بقدر كبير من التأمل والتفكير، ومحاولة استجلاء جميع غوامضها، وفهم مضامينها، والكشف عن خفاياها والاستعانة بالأقيسة العقلية في البرهنة على صحة العقائد والدفاع عنها ضد النحل الأخرى والمذاهب المعارضة التي كانت تعج بها الساحة الفكرية. وفي الوقت نفسه يعتقدان أن هذا المنهج مسموح به في الشرع، بل هو أوجب الواجبات مادام لا يصادم نصّا من النصوص أو يصادم حقيقة من حقائق الدين. ولاشك أن عمرو بن عبيد استفاد استفادةً كبيرةً من المنطق اليوناني في مثل هذه المعارك

التي خاضها متسلحا بالترعة العقلية.

وسوف نسوق مجموعة من الشواهد لكي نبرهن على ما ذهبنا إليه.

(1) سرح العيون، ص 301. الأغاني. 138/ 3.