عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ٤٠أ- مظاهر الترعة العقلية:
عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
-1 - يبدو أن عمرو بن عبيد كان أكثر جرأةً من واصل في استخدام المنهج العقلي، مما لفت نظر الحسن البصري، فتوجس منه خيفةً، فحاول أن يبصر عمرو بهذا المنحنى الخطر، وحذره كثيرًا من ارتياد هذا الطريق الوعر والاندفاع في دروبه؛ لأن العقل له حدود يجب أن يقف عندها وشاطئ عليه أن يلوذ به وبعد موت الحسن لاحظ صديقه واصل مواصلة الاندفاع في هذا الطريق والتوسع في هذا المنهج، فكتب له رسالة طويلة، ونحن بسبيل الاستشهاد بها على الرغم من طولها كي نتبين جوانب القضية ونلمس لمس اليد مواطن هذه الترعة:
"أما بعد، فإن استلاب نعمة العبد وتعجل المعاقبة بيد الله، ومهما يكن ذلك فباستكمال الآثام، والمجاورة للجدال الذي يحول بين المرء وقلبه، وقد عرفت ما كان يطعن به عليك ويُنسب إليك ونحن بين ظهراني الحسن، لاستبشاع قبح مذهبك نحن ومن قد عرفته من جميع أصحابنا ولمة إخواننا الحاملين الواعين عن الحسن فلله تلكم أمة وأوعياء وحفظة ما أدمت الطبائع وأرزن المجالس وأبين الزهد وأصدق الألسنة، اقتدوا والله بمن مضى شيها بهم وأخذوا بهديهم.
عهدي والله بالحسن وعهدكم به أمس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرقي الأجنحة، وآخر حديث حدثنا إذا ذكر الموت وهول المطلع، فأسف على نفسه واعترف بذنبه، ثم التفت والله يمنة ويسرة معتبرا باكيا، فكأني أنظر إليه يمسح مُرفض العرق عن جبينه، ثم قال: اللهم إني قد شددت وضيث راحلتي" وأخذت أهبة سفري على محل القبر وفرش العضر، فلا تؤاخذني بما ينسبون إلي من بعدي.
اللهم إني قد بلغت ما بلغني عن رسولك وفسرت من محكم تأويلك ما قد صدقه حديث نبيك، ألا وإني خائف عمرا، ألا وأني خائف، عمرا، شكاية لك إلى ربه جهرا، وأنت عن يمين أبي حذيفة أقربنا
إليه.
وقد بلغني كبيرا ما حملته نفسك وقلدته عنقك من تفسير التنزيل وعبارة التأويل، ثم نظرت في كتبك وما أدته إلينا روايتك من تنقيص المعاني وتفريق المباني، فدلت شكاية الحسن عليك بالتحقيق بظهور ما ابتدعت وعظيم ما تحملت فلا يغررك أي أخي من حولك، وتعظيمهم طولك،
بطان عريض منسوج بسيور أو الشعر أو لا يكون إلا من الجلد.