عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ٤٢42
عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
ونحب أن نستأنس برأي الدكتور النشار إذ عقب على هذه الرسالة بقوله: إن الحسن
البصري قد مات وهو راض عن واصل، ولكنه كان متخوفا من عمرو، وأن الاختلاف بينهما كان واضحا للعيان وهما في مدرسة الحسن ثم يضيف إن الحسن البصري لم يوافق على منهج عمرو في التأويل العقلي، وإنما كره منه اجتهادًا يذهب به إلى تنقيص المعاني وتفريق المباني"، وقرأ واصل كتبه بعد شكوى الحسن فوجد الحق ما قال فأرسل لعمرو معاتبا زاجرًا يطلب فيه أن يؤدي المسموع وينطق بالمفروض، وينهاه عن تأويل الأحاديث على غير وجهها. ويبدو أن عمرا كان يستمع دائما لآراء واصل ويحس بضعفه أمامه (1).
-2 - سأل أحد زملائه عن ماهية البلاغة
فأجابه عمرو بإجابات متعددة، وفي كل مرة يقول له السائل: ليس هذا أريد.
فقال عمرو: فكأنك تريد تخيير اللفظ على
فقال: نعم
الأفهام.
قال: إنك أوتيت تقرير حجة الله في عقول المكلفين وتخفيف المؤونة على المستمعين وتزيين تلك المعاني في قلوب المريدين بالألفاظ المستحسنة في الآذان المقبولة عند الأذهان، رغبة في سرعة استجابتهم ونفي الشواغل عن قلوبهم بالموعظة الحسنة على الكتاب والسنة (2).
ونستطيع أن نستنبط المقولة الأساسية التي يريد عمرو أن يؤكدها ويبينها في أذهاننا، وهي دور العقل الإنساني في تحصيل العلم والوصول إلى الحقيقة وكشف جوانبها، وأن العقل هو حجة الله لدى البشر المكلفين بحمل الأمانة، وتنفيذ الواجبات المنوطة بهم من الاعتقاد والعمل، وهذا العقل هو الذي يوضح القضايا ويحلل المشكلات الإنسانية عند المستمعين، ويصور المعاني تصويرا في قلوب المحبين السالكين طريق الهدى والاستقامة.
اللافت للنظر أن هذه المقولة ذاتها رددها كثير من المفكرين ونلحظ ورودها بمعان متعددة عند أغلب الأدباء والمتكلمين الذين يُعَوِّلون على العقل، فنجد أن الجاحظ يعبر عنها بقوله: "إن العقل هو وكيل الله عند الإنسان". وصاغها أبو الحسن العامري (381 هـ) - من فلاسفة
(1) نشأة الفكر 464/ 1
(2) البيان، 114/ 1. عيون الأخبار.186/ 2. العقد الفريد 260/ 2