عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ٤٧تمهيد
عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
الفصل الثاني: صفات عمرو بن عبيد الخلقية والعلمية
47
من أهم الصفات التي تميز بها المعتزلة صفة التدين والورع والخشية من الله، والعكوف على العبادة، وقيام الليل والسهر الدائم في أداء الفرائض والنوافل، وقراءة القرآن، ومواصلة الذكر والابتهال وسلوك حياة التقشف والشظف في المعيشة والإيغال في الزهد. وعلى الرغم من أن مؤرخي الفرق لم يدخروا وسعًا من التهوين من شأن المعتزلة، والحط من منهجهم، وهدم آرائهم، إلا أنهم يُجمعون على أن المعتزلة كانوا عبادا زهادًا، تقاةً نقاةً، "ويتورعون من إنكار مآثرهم وطيّ محامدهم" على حد تعبير أحد الباحثين).
أولا: صفاته الخلقية:
1 - تدينه العميق وشدة ورعه
يأتي عمرو في مقدمة هؤلاء الزهاد ولعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا إن شهرته ترجع إلى زهده الشديد، وترفعه عن عطايا السلطان والتجافي عن التعامل معه بطريقة مباشرة خشية أن يكون شريكا له في أوامره الجائرة وأفعاله الظالمة، أو مساندا له، وكذلك رفض الأخذ من أمواله التي يشك في مصدرها. ولعل قول عمرو لأبي جعفر: "ارفع الحق يتبعك أهله يُعبر أفضل تعبير عن موقفه من السلطان.
وعلى كل حال، فقد أجمع المؤرخون أن عمرو بن عبيد كان عالما عاقلا عابدا زاهدًا، وكان ذا بيان وصاحب قرآن عليه أثر السجود، حَسَنُ الأدب، عفيف اللسان، كأنه لم يزل مع الملوك في توقيره للخليفة وإعظامه إياه (2).
إلا أن عمرو بن عبيد ينظر إلى الإنسان كموجود حي عاقل مفكر عابد، خلقه الله في هذا الوجود لكي يكون خليفته على ظهر هذه الأرض، يعمرها وينشر فيها العدل والرحمة والمحبة، على
(1) زهدي جار الله المعتزلة، ص 230. (القاهرة 1947 م، وأيضا دار الينابيع، بيروت. 1987 م).
(2) البيان، 157/ 2. أمالي المرتضى، 118/ 1. ابن المرتضى المنية والأمل، ص 44. مفتاح السعادة، 22/ 2. زهدي: المعتزلة. ص 227. واقعية المعتزلة، ص 48. عادل العوا: المعتزلة والفكر الحر، ص 173