عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ٤٨

48

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

أن يكون واعيًا تماما أن يُعمّق جذوره في الأرض بواسطة العبودية الخالصة، والضراعة المستمرة والاستغاثة بواجب الوجود، والتحكم في شهوات نفسه كما أن عليه أيضًا أن ينظر إلى أعلى وينتظر العون من السماء، والمدد من خالق الموجودات، وصاحب الفيض الإلهي، لذلك على الإنسان أن يملك زمام نفسه ويروضها على الحرمان والصبر على المكروه، وتقبل حقائق الحياة. يقول عمرو مصورا خبيئة نفسه، ومكنون، ضميره، ومرآة أعماقه: لقد روّضت نفسي رياضة لو اردتها على ترك الماء لتركته (1).

والحقيقة لو صدق الرجل في كلامه وكان هذا التعبير تعبيرًا حقيقيًا عن سلوكياته في الحياة ومنهجه في الوجود، لكنا بإزاء رجل يمتلك إرادة حديدية تساعده على التحكم في شهوات نفسه، وعزيمة صادقة تكبح جماح الجسد، وتَفْطمه عن طيبات الحياة فضلا عن خبائثها، وقوةً مؤمنةً

تشكم ضرورات الجسم ورغباته الداخلية وتروض الحيوان الحبيس داخل حنايا الإنسان. ومن مقولات عمرو القليلة الموحية في هذا المجال التي تعبر عن صفاء نفسه، وحسه الديني ومشاركته الوجدانية للآخرين، و إحساسه بالحزن الواقع على من حوله، لاسيما حين يقع الموت في

دائرة اهتمامنا، ويخطف أحبابنا فيحطم قلوبنا ويروع نفوسنا، ويملأ عقولنا حيرة وتساؤلا: يقال: عَزَّى عمرو أخاه في ابن مات له فقال: "ذهب أبوك وهو أصلك وذهب ابنك وهو فرعك، فما حال الباقي بعد ذهاب أصله وفرعه (3). وفي عبارة أخرى عميقة الدلالة ترقى إلى عبارات الصوفية السالكين، يقول فيها: "الشكر معرفة العجز عن الشكر (3).

والحقيقة أن العبارة غزيرة المعاني عظيمة الأثر، تقطر حكمة، وهي تعبر عن درجة عالية من الحمد والشكر تجاه نعم الله التي لا تحصى، وعطاياه التي لا تنفد، وخيره المبذول لكافة الكائنات، ورحمته الواسعة التي شملت الأرض جميعًا، وجوده الدائم الذي يفيض على الوجود. إن الشكر الحقيقي هو إدراك الإنسان أنه غير قادر على تقديم الثناء والإخلاص لله، وإقراره الصريح بأنه عاجز عن الوصول إلى الدرجة التي تليق بمقام الألوهية في الحمد الحقيقي والشكر

(1) ربيع الأبرار، 522/ 2.

(2) البيان، 83/ 2 ميزان الاعتدال 275/ 3

(3) الطرطوشي: سراج الملوك 425/ 2.