عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ٤٩

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

29

العميق لله، والاعتراف بالخير العميم الذي أفاض به على عباده والوجود. وإذا كان الإنسان غير قادر على الوصول إلى هذه الدرجة، فلا أقل من الا يعصي الله بما أنعم به عليه، وهذا معنى من معاني الحمد والشكر.

ومن العبارات التي كان يرددها عمرو وتعكس بعض سمات شخصيته الطيبة، وتكشف عن صفات سريرته ونقاء قلبه قوله: اللهم أعني على الدنيا بالقناعة وعلى الدين بالعصمة". وقوله: "اللهم أغنني بالافتقار إليك ولا تفقرني بالاستغناء عنك (1).

فهذا الابتهال عميق لواجب الوجود وواهب النعم، ومفيض الرحمة على أركان الكون، ونداء من أعماق القلب يتوسل فيه قائلا يارب ارزقني الزهد في ملذات الدنيا وهبني قوة التعالي على طيباتها، والرضا بما أفضته علي من نعم والشكر بما أصابني فيها من نقم وارزقني الثبات على دينك وامنحنى اللطف الذي يهديني إلى الطريق المستقيم، ويعصمني من الطريق المعوج، ولا تتركني لنفسي لحظة واحدة وأدخلني في حظيرة القدس بالحاجة إليك دائما، والوقوف ببابك، فهذا هو حقيقة الغنى، والفوز العظيم ولا تبعدني عن بابك، وتطردني من رحمتك، وتكلني إلى نفسي حتى أتصور جهلا أنني أستطيع الاستغناء عنك، والتجافي عن كرمك، لأن هذا هو الفقر المدقع والخسران المبين والذل في الدنيا والآخرة.

وفي مقولة أخرى توضح سريرة نفسه النقية، وتظهر مدى خوفه من الله، وهو بسبيل الوصول إلى نهاية الطريق بعد رحلة إيمانية غزيرة بالمعرفة، وسفر طويل إلى الله، يحمل معه زادًا من الأعمال الطيبة والنية الصادقة والطمع في رحمة الله، بعد أن أفرغ جهده في طاعته، ومرضاة أمره، وجاهد نفسه الأمارة بالسوء جهاد الأتقياء المخلصين، حتى انتصر عليها وكبت هواها، وتعالى على شهواتها، واختار المحبة الإلهية على المحجة الدنيوية، وسعى دائما أن يكون إنسانا، ينتصر على دوافع الشر، ونوازع النفس ووسوسة الشيطان، ويفوز برضا الله ورضوانه. يقول الجاحظ فيلسوف المعتزلة - مصوّرًا تدين، عمرو، وقوة، ورعه وخوفه من الآخرة والحساب: حضرت عمرو بن عبيد الوفاة، فقال لعديله نزل بي الموت ولم أتأهب له، اللهم إنك تعلم أنه لم يسنح لي أمران، لك في إحداهما رضا، ولي في الآخرة هوى إلا اخترت رضاك على هواي (2).

(1) البيان، 271/ 3

(2) البيان 142/ 3. وفيات الأعيان 220/ 2