عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ٥٠عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
ويجدر بنا أن نقتبس بعض شهادات المؤرخين سواء أكانوا من أنصار المعتزلة الذين يشيدون بعمرو إشادة عريضةً ويرتفعون به إلى مقام العُبَّاد الزهاد النساك السالكين طريق المتصوفة العارفين أم من المؤرخين المحايدين الذين يجنحون إلى الموضوعية شهادات بعيدة عن المبالغة والتهويل، وربما نعترف أن في بعضها قدرًا من المبالغة استجابةً للطبيعة العربية، والإيغال في الخيال، وإيراد العجائب، وخلع هالات التقديس على بعض البشر أو الحط من شأنهم وتصغير أمرهم دون أن يميلوا إلى الرأي الوسط الذي يقرر الحقيقة ويتحرى الموضوعية، ويلتمس القيم كما نعيشها نحن البشر، إذ إن طبيعتنا تجمع بين الشجاعة والجبن والحزم والتردد والكرم والبخل، وبالجملة الخير
والشر.
وعمرو بن عبيد هو إنسان مثل باقي البشر يصيب، ويخطئ ويروم الخير فيقع في الشر، ويجاهد من أجل الحق فيسقط في الباطل، فلماذا ترتفع به إلى مستوى الملائكة المبرئين من العيوب والبشر المعصومين، والنماذج التي نسمع عنها دون أن نراها في حياتنا اليومية.
ففي رواية توضح طبيعة عمرو كإنسان فيه الغيرة والحسد والسخرية والتنقص من شأن الناس، ما يحيكه ابن المرتضي (436 هـ) فيقول:
مني
قال عمرو بن عبيد في محله لما رأى واصلا أرى عنقا لا يفلح صاحبها.
فقال واصل: يا ابن أخي، إن من عاب الصنعة عاب الصانع. فقال عمرو: يا أبا حذيفة (كنية واصل، قد أوعظت فأحسنت، ولن أعود إلى الذي كان
والمدقق في النص يتبين ازدواجية الطبيعة البشرية، التي تجمع بين نوازع النفس التي تميل من التنقيص من الآخرين وإظهار معايبهم وإبداء مساونهم. ودواعي النفس اللوامة التي تحاسب الإنسان، وتكبته على ما اقترف من الإثم، وما أقدم عليه من شرور فالنص يصور الصراع الأبدي بين الخير والشر داخل النفس البشرية. حيرة الإنسان الخالدة بين متطلبات الجسم وأشواق الروح، بين الرغبات المتفجرة في أعماقه والجانب النبيل في، روحه وبين الشهوات المضطربة في داخله
(1) أمالي المرتضى 115/ 1