عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ٥١

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

ومحكمة الضمير التي تقف له بالمرصاد بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، إنه العذاب الإنساني في الدنيا كعذاب "سيزيف" في الأسطورة اليونانية".

والمطلوب من الإنسان مقاومة إغراءات النفس والتخلص من شهواتها، وعدم الانقياد إلى

ثقل الجاذبية والسقوط في الهاوية، فهو مُطَالَب بتلبية نداء الدين المتمثل في أوامره، فهي تحصنه من سحر الخطيئة، وزينة الباطل وتقوده إلى بر الأمان والإيمان.

وكما أن النص يدين عمرًا بسبب سخريته من، واصل ويكشف حقيقته كإنسان يحمل في طياته هواجس الشر، إلا أنه من زاوية أخرى يظهر أيضا طبيعته الخيرة، وإنابته سريعًا إلى الطريق القويم، ولومه نفسه لما بدر منه واعترافه مباشرة بهذا الإثم الذي اقترفه في حق صديقه وهذه الخطوة الجريئة التي تتمثل في الندم لا يقدم عليها إلا أصحاب النفوس الحية، وتعد أولى الخطوات لتصحيح المسار والإنابة إلى الله والعودة إلى ظل رحمته الوافرة، والإقرار بعدم العودة إلى هذا الشر العظيم ثانية.

ومثل هذه اللمحات والومضات تنبئ عن وجود محكمة الضمير التي تسهر لكي تراجع ما بدر من الإنسان وتحاكمه محاكمة قاسية، فيبتعد عن طريق الخطيئة، ويجد في السير على طريق

الفضيلة.

ونعود مرة أخرى لكي نقتبس من شهادات المؤرخين ما يؤكد عمق الحس الديني عند عمرو. يقول الجاحظ: كان عمرو عند حفص بن سالم فلم يسأله أحد من حشمه في ذلك اليوم شيئًا إلا

قال: لا. فقال له عمرو أقل من قول لا فإنه ليس في الجنة، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سئل ما يجد أعطى، وإذا سئل ما لا يجد قال: يصنع الله (1).

وأعتقد أن معطيات هذه المقولة تحدد ما يجب أن يكون عليه سلوك المسلم سواء أكان في القول أو الفعل، فعلى المسلم أن يعطي الفقراء ويتصدق على المحتاجين قدر ما يستطيع، ويحارب وساوس الشح في نفسه إذا كان يملك، أما إذا كان لا يملك فعليه أن يجبر الخاطر، ويهدئ روع

تقول الأسطورة بأن الآفة حكمت على "سيزيف" بأن يدحرج حجرًا من سطح الجبل حتى قمته، فإذا وصل الحجر إلى القمة سقط منه إلى السفح، فيعود "سيزيف" ليدحرجه مرة أخرى، وهكذا أبد الآبدين.

(1) البيان، 2/ 190. عيون الأخبار، 154/ 2