عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ٥٢

52

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

المحتاج بحسن القول، ولطافة الرد، وبشاشة الوجه، واستجابة لقوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ

حنا (البقرة: 83).

قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) (البقرة: 263)، وتطبيقا لأحاديث الرسول وأفعاله واقتداء بسلوكه، واهتداء بسيرته الطاهرة، وهذا أيضا مصداقاً لقول الشاعر:

لا خيل عندك تهديها ولا مال … فليسعد النطق إن لم يسعد الحال

ويقول الخياط كان عمرو من الزهاد العاكفين على العبادة المنهمكين في الدين وينقل نشوان الحميري قبسات من أقوال العلماء عن عمرو فيقول: قال المنصور: ألقيت الحب للناس فلقطوا إلا عمرو بن عبيد (2).

وهذا يؤكد ما أشرنا إليه سابقا من علو نفسه وتعففه عن مقارفة أموال السلطان، وفي الوقت نفسه يظهر أسلوب المنصور في إغراء العلماء بتطويقهم بعطاياه وتقريبهم إلى بلاطه خدمة لأغراضه، فأدرك عمرو هذا، وأبي عطاياه ورفض التعاون معه وطبق مقولة الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره وأحسن إلى من شئت تكن أميره".

ويشهد له سفيان بن عيينة فيقول: ما رأت عيني مثل عمرو بن عبيد، وقد رأى التابعين فمن دونهم. وقال بعضهم: رأيت عمرًا بمكة فرأيته كأنه حديث عهد بمصيبة، ثم رأيته بمنى فرأيته كأنه أحضر للقود - أي القصاص منه، ثم رأيته بعرفة فرأيت رجلاً كان النار لم تخلق إلا له (3). ومن الجدير بالذكر أن ملمح الخوف الذي يعد سمة من سمات عمرو، يعد أيضا من سمات مرحلة الزهد التي تميز بها زهاد المسلمين الذين مهدوا إلى مرحلة التصوف في تاريخ الحضارة الإسلامية، ومرحلة الزهد تميزت بالطابع العملي أي العكوف على العبادة، ومداومة الصلاة، والصوم، والحرص على أداء فريضة الحج، والذكر الدائم والابتهال إلى الله، والخوف المستمر من

عذاب النار.

(1) الانتصار، ص 206.

(2) الحور العين ص 164.

(3) الحور العين، ص 164. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة، ص 36.