عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ٥٣عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
53
وقد سبق إلى هذا الاتجاه الحسن البصري الذي اتسمت حياته بطابع الخوف الشديد كما
يحكي المؤرخون، وكانت أقواله وأفعاله تأصيلا لهذه المرحلة وتمهيدا لمن جاء بعده من أمثال إبراهيم ابن أدهم (159 هـ) ورابعة العدوية (185 هـ) (1).
وتقول الروايات صلى عمرو أربعين عامًا صلاة الفجر بوضوء المغرب، وحج أربعين سنة
ماشيا وبعيره يقاد يركبه الفقير والضعيف والمنقطع، به وكان يحيي الليل كله في ركعة واحدة فعل ذلك غير مرة في المسجد الحرام.
ولا نريد أن نترك هذه الرواية تفلت من أيدينا دون أن نشير إلى تحفظنا على مثل هذه المقولات التي تميل إلى المبالغة، وتجافي حقائق الحياة المشهورة، وخصائص الإنسان الحيوية، من حيث هو إنسان يأكل ويشرب، فإنسان يصلي الفجر بوضوء المغرب أو العشاء" كما يرد كثيرا في الأدبيات العربية وكتب التصوف لهو أمر مرفوض بداهةً، وفوق طاقة البشر، فلذلك لا نخفي رفضنا الكامل لمثل هذه الحكايات التي تصلح لإزجاء فراغ العقول الفارغة، وإشباع النفوس الأمية الجاهلة، التي تؤمن بما يسمى كرامات البشر، وهذه الحكايات تتعارض مع منطق العقل، وتتناقض مع مجريات الحياة، ولا تتفق مع ما نعيشه في حياتنا ونراه بأعيننا.
ومع هذا فالرواية تصف مداومة عمرو على قيام الليل والذكر المتواصل، ومواظبته على أداء فريضة الحج مع المعاناة المستمرة وتحمل المشاق، إذ يحج ماشيًا وبعيره يركبه الضعيف، وهذا فيه إيثار للغير ا {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: (9)، ومجاهدة للنفس وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ سنين) العنكبوت (69 وابتغاء مرضاة الله رضيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خشِيَ رَبَّهُ (البينة (8) وعملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له".
وقد أجاب الحسن البصري عن سؤال يستفسر عن شخصية عمرو بقوله: "لقد سألت عن رجل كان الملائكة أدبته، وكأن الأنبياء ربته، إن قام بأمر قعد به، وإن قعد بأمر قام به، وإن أمر
(1) طبقات الشافعية، 39/ 2 59 التفتازاني مدخل إلى التصوف، ص 99.
(2) الحور العين ص 163. طبقات المعتزلة، ص 36. مفتاح السعادة، 165/ 2