عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ٥٤

54

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

بشيء كان ألزم الناس له، وإن نهى عن شيءٍ كان أترك الناس له، ما رأيت ظاهرا أشبه بباطن ولا باطنا أشبه بظاهر منه" (1)

ونستطيع أن نتبين بعض ملامح شخصية عمرو لاسيما أنها قد جاءت من أقرب الناس إليه ومن الرجل الذي لازمه مدة طويلة، فخبر صفاته، وسبر أعماقه، وألم بخواطر نفسه، فجاءت شهادته صورة مجسمة الحقيقته، وأقرب ما تكون إلى الاعتدال، أضف إلى ذلك أن ابن خلكان الذي أورد الرواية مؤرخ موضوعي يحاول أن يتوخى صدق روايته إلى حد كبير.

ونستنتج من الرواية أن عمرو بن عبيد رجل يتميز بعزيمة قوية تستمد قوتها من نور الإيمان كانما قد عاين الأنبياء ونهل من مقرراتهم، واستمع إلى توجهاتهم وهو مؤمن صادق الإيمان، فهو نقي السريرة كالمرآة تعكس كل ما يقع عليها.

ونختم هذه الشهادات بشهادة ابن حجر العسقلاني (852 هـ) الذي لم يألُ جهدا في الهجوم على عمرو بسبب قوله بالقدر، ومع هذا يقول: "قال حفص بن غياث: ما وصف لي احد إلا رأيته دون الصفة إلا عمرو بن عبيد، وإني رأيته فوق ما وصف لي (2).

وقال آخر: "عمرو الزاهد المشهور، كان آدم مربوعًا بين عينيه أثر السجود (3).

ونخلص مما سبق أن المؤرخين على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم لم ينكروا فضل عمرو بن عبيد ومتانة دينه وخشيته من الله وقوة ورعه والسعي إلى مجاهدة النفس جهاد الأصفياء الأتقياء، وعلى الجملة، الإقبال بالكلية إلى الله والسمو إلى مقامات الزهاد المستقين، وأحوال الصوفية المخلصين تعد سمات بارزة في شخصيته.

2 - عفة لسانه:

لاشك أن الدين عند عمرو لم يكن كلامًا يظهر في الهواء، أو تحليلات تقال على لسان الفقهاء، أو نظريات يبرزها العلماء، ولكن الدين عنده سلوك عملي وممارسة يومية، وتطبيق

(1) وفيات الأعيان 460/ 3. (تح: إحسان عباس دار صادر، بيروت 1972 م. وأيضا،219/ 2، ط بيروت 1997 م).

ينقل ابن حجر نقلا حرفيا من تاريخ بغداد وميزان الاعتدال، ويورد الروايات نفسها التي تهاجم عمرو

(2) قذيب التهذيب 62/ 8

(3) مفتاح السعادة، 125/ 2