عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ٥٥

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

حياتي، يتم من خلال التعامل مع الآخرين وهذا ما يتجلى في سلوكه مع زملائه من صفاء سريرة ونقاء طوية وعفة في الكلام ولين في القول وتعال عن الصغائر، وغض الطرف عن الهفوات والعثرات. قال رجل له يا أبا عثمان إني لأرحمك مما يقول الناس فيك. قال: يا ابن أخي، أسمعتني أذكر فيهم شيئًا؟ قال: لا. قال: إياهم فارحم (1). وفي رواية أخرى قيل لعمرو: لقد وقع أيوب السختياني فيك حتى رحمناك، قال: إياه فارحموا (2) وسجل أبو حيان (403 هـ) الحوار ذاته مع إضافات لا بأس بها فقال: أتى رجل عمرو بن عبيد فقال: إن الأسواري لم يزل أمس يذكرك ويقول: الضال.

فقال عمرو يا هذا والله ما رعيت حق مُجالسة هذا الرجل حتى نقلت إلينا حديثه، ولا رعيت حقي حين بلغتني عن أخي ما أكره أعلمه أن الموت يعمنا، والبعث يحشرنا، والقيامة تجمعنا، والله -تعالى- يحكم بيننا " (3).

والحقيقة أن رد عمرو بن عبيد ينبئ عن رفضه للغيبة والنميمة، وكراهيته للتنابز بالألقاب وسعة صدره لمن يخطئ في حقه، ليس هذا فحسب بل وطلب الغفران لمن وقع في عرضه وهذا تطبيق لقوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلينَ) (الأعراف: 199)، وكانه بهتدي بقول بشار بصرف النظر عن رأيه فيه في حكمته المشهورة

إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه

إذا أنت في كل الأمور معاتباً … صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه).

ومن الواضح أن عمرو بن عبيد يعلو على مثل هذه الصغائر، ويُجل زملاءه وينتحل لهم الأعذار، ويضعهم في المكانة التي تليق بهم على الرغم مما يبلغه من أقوالهم سواء أكان صحيحا أم مُلَفّقًا، لكنه يظل عَف اللسان حلو الشمائل، نقي الضمير، محبا للجميع.

(1) البيان. 96/ 2. عيون الأخبار، 24/ 2 تاريخ بغداد، 186/ 12

(2) العقد الفريد 275/ 1

(3) البصائر والذخائر، 61/ 4.

(4) الأغاني، 180/ 3، 185.