عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ٥٦07
عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
يقال أن عمرو بن عبيد اشترى إزارًا للحسن البصري بستة دراهم ونصف، فأعطى للبائع سبعة دراهم فقال الرجل: إنما بعته بستة دراهم ونصف فقال عمرو: ابي اشتريته لرجل لا يقاسم أخاه در هما (1).
وهذه الرواية تؤكد طبيعة العلاقة القوية التي ربطته بالحسن وتكشف عن مدى إجلاله لشخصيته المؤثرة المهيبة، وتوضح تواضعه مع الآخرين وتقديره لمكانتهم.
- شجاعته في القول:
من السمات التي يتفرد بها عمرو عن زملائه صراحته في القول، وجرأته في مواجهة الولاة والحكام، وشجاعته في إعلان رأيه وإظهاره حتى لو عرضه ذلك للمهالك، وهذا كما وضحنا سابقاً راجع إلى أن باطنه مثل ظاهره، وأنه مبراً من آفة النفاق، والتملق إلى الحكام، ولذلك كما سوف نرى لا يخاف في الحق لومة لائم، وإذا نطق نطق بالحق وجهر بالصدق.
فلا غرو أن يمسك بمبضعه ويشرح به شخصيات، عصره مظهراً مثالبها، مبديًا معايبها دون وجل أو خوف، محاولاً الإصلاح والتقويم، حتى لو اقترب الأمر من دائرة شخصيات مثل الحجاج ذلك الوالي القاسي الذي سخر كل ذكائه وعبقريته وشخصيته المهيبة الباطشة العدوانية في نشر الشر والدمار والموت في الأرض، ووضع ملكاته العقلية في فن القيادة والحكم، في خدمة الأمويين لتنفيذ مطامعهم، وتلبية رغباتهم، فأهلك الحرث والنسل، وأعمل السيف في رقاب المسلمين وقتل الفقهاء والعلماء والتابعين حتى ضج الناس وقالوا: هذا بلاء اختبر به الله أهل العراق. - أقول: يتجلى موقف عمرو الشجاع في الفتوى التي أصدرها في حق الحجاج، قيل: "إن رجلا أتى الحسن البصري فقال: يا أبا سعيد إني حلفت بالطلاق أن الحجاج في النار، فما تقول؟ أقيم مع امراتي أم أعتزلها؟
فقال له: قد كان الحجاج فاسقاً فاجرًا، وما أدري ما أقول لك، إن رحمة الله وسعت كل شيء. ثم أتى الرجل إلى محمد بن سيرين، فأخبره بما حلف فرد عليه شبيها بما قاله
(1) عيون الأخبار. 359/ 1.