عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ٥٨58
عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
ومن هنا نرى تصميم عمرو على قول الحق فهو عاقد العزم على إخبار الأمير بالسيرة السيئة للوالي وظلمه للرعية.
ليس هذا هو موقفه الوحيد مع هذا الوالي بحيث نقول إن هذا مجرد موقف عارض عَرَّضَ فيه حياته للخطر ثم انكفأ على نفسه، ولكن الحقيقة أن هذه الجرأة سمة من سمات شخصيته ووقوفه بجانب الحق، وإعلانه يُعد عاطفة دينية متغلغلة في كيانه وراسخة في فؤاده وهي التي توجه سلوكه الخارجي فيصدع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويهتف بالعدالة، وينطق بالحق. "فقد مر بسارق يُقطع فقال: سارق الشريرة (السر) يَقْطَعُ سارق العلانية (1).
فهذا الرجل يتخذ من مجريات الحياة اليومية وسيلة يحارب بها السلبيات التي تقع في
المجتمع، ويفضح تصرفات الولاة، ومساعديهم فهو صديق للحق وعدو للباطل.
ونختم هذه المواقف التي تعبر عن شجاعة عمرو وجرأته في الهتاف بالحق بأحد مواعظه للمنصور" التي اشتهر بها، ونوه بها كافة المؤرخين الذين أكدوا أن المنصور كان يتبرك به ويأنس بقربه، ويكرر دائما أن عمرًا نسيج وحده، ووحيد عصره وأمثاله في الإخلاص قليل (2). يخاطب عمر المنصور قائلا: "اتق الله يا أمير المؤمنين، فإن ببابك نيرانا تتأجج، لا يُعمل فيها بكتاب الله وسنة رسوله، وأنت مسؤول عما اجترحوا وليسوا مسؤولين عما اجترحت فلا تصلح دنياهم بفساد، آخرتك أما والله لو علم عُمَّالك أنه لا يرضيك منهم إلا العدل، لتقرب به إليك من لا يريد … اتق الله يا أمير المؤمنين، فإن هؤلاء (يقصد الذين يحيطونه) قد اتخذوك سُلَّمًا إلى شهواتهم، فأنت كالماسك بالقرون وغيرك يحلب، وإن هؤلاء لن يغنوا عنك من الله شيئًا (3). ونستخلص من ذلك تحذير عمرو للخليفة، وتنبيهه بأن عماله يقترفون الشرور ويتسترون بعباءته، ويستترفون ثروة الدولة، ويتخذونه وسيلة للوصول إلى مطامعهم الدنيوية، ولن يغنوا عنه من الله شيئًا؛ لأنه ولي أمر المسلمين وحامي حمى الأرض والدين.
(1) العقد الفريد، 268/ 1.
* سنؤجل وعظ عمرو للمنصور حين الحديث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(2) جار الله: المعتزلة، ص 246.
(3) سراج الملوك، 128/ 1. وأيضا الجهشياري: الوزراء، ص 116.