عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ٥٩عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
59
والحقيقة أن مثل هذه المواقف لا تعد قليلة في الحضارة العربية الإسلامية، فالأمثلة تكاد لا تحصى، فقد احتل العلماء مكانةً كبيرةً بين جماهير المسلمين بسبب علمهم الغزير وسلوكهم الأخلاقي، وعموما فالعلماء هم القيادة الحقيقية التي تقود سفينة الدولة إلى شاطئ الأمان وبر النجاة ومرفا التقدم.
ثانيًا: موقف الفقهاء والمحدثين من عمرو:
1 - من المعلوم أن المعتزلة واجهوا بعض الاتهامات من رجال الفقه وعلماء الحديث، وتعرضوا لهجوم عنيف يتنافى مع آداب الحوار الهادئ، ومع حرية الرأي وتعدد المذاهب وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُختلفين (هود: (118) وصبوا جام غضبهم عليهم، لخوضهم في قضايا يعتقد هؤلاء العلماء أن من الأولى ترك الخوض فيها، علاوة على منهجهم الجديد الذي طرحوه في الساحة الفكرية.
ولما كان عمرو من مؤسسي مذهب الاعتزال، فلم يسلم من النقد اللاذع، وكان له أكبر
قدر وأوفى نصيب من هذا الهجوم.
ونستطيع أن نصنف موقف المؤرخين الذين أرخوا لعمرو إلى مواقف ثلاثة:
أ- اللافت للنظر أن جميع التهم كانت من طرف علماء السنة الذين كالوا لعمرو المقامات غريبة، مثيرة للدهشة، والحيرة وقد أهالوا على تاريخه التراب ويقف على رأس هؤلاء الخطيب البغدادي ومن لف لفه أمثال الذهبي وابن كثير، وابن حجر العسقلاني.
ب في حين أن مؤرخي المعتزلة وأنصارهم من الشيعة مدحوا الرجل مدحا واسعا، وعلى رأسهم الجاحظ ومن تبع خطاه أمثال ابن المرتضى صاحب الأمالي، ونشوان الحميري، وابن المرتضى
اليماني. ج- المجموعة الثالثة وقفت بين القضية ونقيضها موقفًا محايدًا، فأوردت ما يتعلق بحياته وصفاته ومؤلفاته، ولم تُشرّ من قريب أو بعيد لمثل هذه الاتهامات أو تقلل من شأنه، بل نوهت بدوره في تأسيس الاعتزال، وعلى رأس هؤلاء المسعودي وابن خلكان.
ومن الإنصاف والتحليل العلمي أن نلخص هذه الاتهامات ونبوبها لكي نناقشها مناقشة
هادئة، علنا نستطيع أن نكتشف أبعاد هذه القضية ونقف على الحقيقة.