عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ٦١

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

61

وما قلناه عن الذهبي نستطيع أن نقوله عن ابن كثير، فهو أيضا لم يعاصر عمرا، والمسافة الزمنية بينهم تزيد عن ستة قرون، وهو ينقل أكثر عن الذهبي وهو معتمده الأصلي، علاوة على ما اقتبسه من الخطيب البغدادي، ولذلك يعيد صياغة التهم المذكورة سابقا بتمامها (1). ثم يجيء دور شيخنا الكبير ابن حجر العسقلاني (852 هـ) فلا يفوته أن يجتر كل ما كتب من روايات سابقة عن عمرو، صحيحة أو سقيمة صادقة أم كاذبة فينقل تارةً من الخطيب البغدادي وتارةً ثانية من الذهبي وتارةً ثالثةً من ابن كثير، بالعبارات ذاتها ودونما تغيير يذكر. على أنه - والحق يُقال - نقل جميع التهم التي ذكرناها سابقا دون تهمة الدهرية، التي ربما وجدها لا تليق بعالم مسلم له باغ في الدفاع عن العقيدة الإسلامية.

وقبل أن نتفرغ لمناقشة هذه التهم والرد عليها بأسلوب علمي، ننوه ببعض الملاحظات: الملاحظة الأولى: أن تهمة الدهرية لم أجدها في أي كتاب من كتب مؤرخي الإسلام أو أصحاب المقالات أو مؤرخي الفرق، لا القدامى ولا المعاصرين باستثناء خير الدين الزركلي (1976 م) فقد لاحظت أنه رصد التهم جميعًا ونقلها بنصها (؟). ولما كان الشيخ الزركلي -رحمه الله- لم يكن معنيا بتحليل الفكر العربي أو مناقشة قضاياه، بل جل اتهامه عمل معجم كبير للمفكرين، ورصد ما استطاعت عينه أن تقع عليه ويده أن تصل إليه، فهو معذور فيما نقل". ومن ثم لن نناقشه هذه المسألة؛ لأنها متهافتة بذاتها، ويكفي أن نقول: إن العلاقة بين هذا الاتهام وحقيقة عمرو علاقة انفصال، فالقرآن الكريم يصف اعتقاد الدهرية فيقول: (وَقَالُوا ما هي إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ) (الجانية: 24). أضف إلى ذلك أن مفهوم الدهرية أنهم ينكرون الخالق والنبوات والثواب والعقاب ويَرُدُّونَ كل شيء إلى فعل الأفلاك ولا يعرفون خيرًا ولا شرا سوى اللذة والألم (3).

وما قدمناه عن حياة عمرو وصفاته يختلف عن هذا الاعتقاد، ويكفي في دحض مثل هذه

الترهات والأباطيل.

(1) البداية والنهاية 78/ 10

(2) الأعلام، 81/ 5.

هذا لا يمنع أن نقدم له الشكر كل الشكر فيما قدمه من معلومات قيمة ومجهود عظيم في موسوعته الضخمة.

(3) الحيوان 705/ 7. (تح عبد السلام هارون)