عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ٦٣

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

63

ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبين أهل النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل عمل أهل الجنة" (1).

فقال عمرو لو سمعت الأعمش يقول هذا الكذبته ولو سمعت زيد بن وهب يقول هذا ما أجبته ولو سمعت عبدالله بن مسعود يقول هذا ما قبلته ولو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا: لرددته ولو سمعت الله يقول هذا لقلت له: ليس على هذا أخذت ميثاقنا (2).

الحقيقة نحن بإزاء احتمالين

الاحتمال الأول: أن هذا الكلام مدسوس على عمرو، وهذه التهمة ملفقة من أولها إلى آخرها، وفيها تحريف وتشوية ومبالغة من المؤرخين، وهذا احتمال وارد، إذ يعد البغدادي أول من أورد هذه القصة، ونقلها عنه باقي المؤرخين دون تمحيص، ونستطيع نفي كثير من القصص والتهم السابقة التي رواها المؤرخون؛ لأنها تتعارض مع سيرة عمرو الخلقية والعلمية والدينية. الاحتمال الثاني: أن عمرًا لم ينكر الحديث ولكنه أوله بما يتفق مع الاستدلال المنطقي، وينسجم مع أصل العدل أي حرية الإرادة الإنسانية والدليل على ذلك أن منطق الحديث وظاهره يؤدي إلى الجبر، ولما كان الحديث متصلا بالعلم الإلهي الأزلي وبقضاء الله السابق فهو يعلم ما سوف يعمله الإنسان، وما يأتيه من رزق وكونه من أهل الجنة أو من أهل النار، فلا شك أننا بصدد معركة كلامية عقائدية دارت بين الفرقتين (أهل السنة والمعتزلة. الأول: يؤكد أثر العلم الإلهي في حياة الإنسان وأفعاله، ومن ثم فالإرادة الإنسانية مقهورة ومجبورة، كانها هي تنفذ ما في علم لكي يتطابق العمل مع العلم والفريق الآخر الذي يقوده عمرو ينفي أثر العلم الإلهي في سيرة الإنسان، لأن صفة العلم متعلقة بالكمال الإلهي وليست مؤثرة في الفعل الإنساني ولاسيما وأن الإنسان لا يعلم الغيب، ومن ثم فالطريق أمامه واسع ومفتوح وعليه أن يمضي فيه بمحض إرادته واختياره بعد تدبر وتفكر وتأمل، فإما أن يختار طريق الهدى والرشاد، وإما أن يسلك طريق الغي

والضلال.

الله

أضف إلى ذلك أن بعض الناس كانوا يتعللون بالعلم الإلهي "فيزنون ويشربون الخمر ويسرقون ويقتلون النفس ويقولون كان في علم الله فلم نجد بُدا منه، ولما علم عبدالله بن عمر

(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري، 372/ 6، الحديث رقم 3208.

(2) تاريخ بغداد،172/ 12، 175 179 ميزان الاعتدال 228/ 3. تهذيب، 63/ 8