عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ٦٥عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
70
وحجة من قرر بإقامة الحد، هي القضية التي نحن بصددها، فقد جاء صفوان بالسارق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر أن تقطع يده، فقال صفوان: لم أرد هذا يا رسول الله هو عليه صدقه، فقال الرسول: فهلا قبل أن تأتيني به (1).
ومن هذا العرض نرى أن البغدادي الذي روى الرواية لم يحدد لنا موقف عمرو، هل يقصد بقوله: لا يعفى عن السارق دون السلطان في جميع الحالات فإذا كان يقصد أن ليس من حق المسروق منه أن يعفو بعد أن تم رفع القضية إلى ولي الأمر، فكلامه يتسق مع ما ذكرناه وموقفه لأن الواضح من القصة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أقام الحد على السارق بدليل قوله لصفوان. والظاهر من كلام عمرو أن الأمر رفع إلى الإمام بدليل قوله: "لا يعفى عن السارق دون السلطان"، أي ليس لأحد حق العفو في هذه الحالة إلا ولي الأمر. ونستنتج من ذلك أن القضية التي عرضها البغدادي فيها التباس كبير، وأن القصد منها تشويه
صحيح؛
صورة عمرو بن عبيد.
ومن الجدير بالذكر أن العلامة أحمد أمين أشار إلى هذه القصة وأخذها دليلا على تقدير عمرو السلطان العقل ويستنبط من القصة أن وجهة نظر عمرو هي: لا يصح لأحد ولا لمسروق منه أن يعفو عن السارق إلا السلطان؛ لأن فعل السرقة جريمة تقع على المجتمع كله وليس على المسروق منه فقط، لذلك يصبح من حق السلطان البت فيها والعفو عنها (2).
وفي ضوء ما ذكرنا لا نستطيع أن نقول أن عمرو بن عبيد رفض أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم بَلْهُ
أن ينكرها كما زعم البغدادي، ولكنه حاول تأويلها بما يتفق مع أصول مذهبه الاعتزالي وكذلك مع مبادئ العقل الإنساني، فقام علماء الحديث بالتهجم عليه وهاجوا وماجوا وألزموه بأن موقفه هذا يعني إنكار أحاديث المصطفى.
وذكر بعض المؤرخين المحدثين أن أسباب التشنيع على المعتزلة وكراهية بعض المسلمين
لهم، أنهم خالفوا أهل الحديث في كثير من آرائهم، فحمل عليهم المحدثون حملات عنيفة (3)، على
(1) ابن رشد: بداية المجتهد،454/ 2، دار المعرفة، بيروت، 1986 م).
(2) ضحى الإسلام، 85/ 3
(3) فجر الإسلام، ص 301