عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ٧٧عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
77
عمرو ذكر المصطلح على الرغم من أنهما خاصا في كل هذه الأصول (1). نستنتج مما سبق أن الخوض في قضية "القدر" بمعنى أن العلم الإلهي السابق بمجريات الوقائع التي تلم بالإنسان ليس ملزما له ولا يؤثر في قراراته أو اختياراته ومن ثم فالإنسان حُرِّ في اختياره، فعليه أن يفكر ويمحص المواقف ويقلبها على وجوهها، ويتدبر أمره بروية ثم يعلن قراره فهو حر الإرادة، ومن المؤسف له أن أهل السنة الهموا القدرية بأنهم نفاة القدر، وهي تهمة باطلة بطبيعة الحال أقول: نستنتج من ذلك أن واصلا وعمرا هما اللذان خاضا في هذه المشكلة بعد أن مهد لهما الطريق معبد وغيلان فسارا في الطريق إلى نهايته وحددا أبعاد المشكلة فيما أصبح يعرف بعد ذلك بأصل العدل.
- أما المنزلة بين المنزلتين الذي يعد الأصل الرابع عند المعتزلة، فهو الأصل الثاني في الظهور والمشهور عند المؤرخين أن واقعة انفصال واصل عن مجلس الحسن البصري بشأن مرتكب الكبيرة ثم انضمام عمرو إليه تمثل نقطة ظهور فرقة المعتزلة على الساحة الفكرية ("). لذلك نعتقد أن أصل المنزلة بين المتزلتين تأخر في الظهور من الناحية التاريخية عن أصل العدل فمشكلة القدر كانت مطروقة للنقاش منذ أيام الرسول، لما تثيره من حيرة أمام العقل الإنساني، فهو أمام إشكالية عويصة بين أن الله كتب عمره ورزقة وشقي أو سعيد في اللوح المحفوظ، وحرية الفعل الإنساني وقدرة الإنسان على رسم صورة لمستقبله دون قيد سابق.
ثم ترجح الخلاف شيئًا فشيئًا إلى آخر أيام الصحابة حتى ظهور معبد وغيلان وواصل وعمرو، وخالفوا إسناد جميع الأمور إلى تقدير الله "، وهلم جرا إلى أن ظهرت قواعد الاعتزال. في حين أن مسألة المنزلة بين المنزلتين تعد تالية لذلك؛ إذ ظهرت في الثلث الأخير من القرن الثاني للهجرة تقريبا، لاسيما بعد الأحداث الجسام التي ألمت بالمسلمين مثل مقتل الحسين (63 هـ)
(1) نشأة الفكر 485/ 1
(2) الفرق بين الفرق ص 115 والملل 47/ 1. الحور العين، ص 258.
تعرضتُ هذه المشكلة في كتابي: شهداء الفكر الإسلامي، ص 27، ط: الجزائر، ط: صنعاء).
** هنا مغالطة واضحة؛ لأن المعتزلة ولا أحد من المسلمين ينكر تقدير الله للأمور، ولكنهم يقولون: إن هذا التقدير الأزلي
امر واقع ولكن لا يؤثر في اختيار الإنسان وحريته.