عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ٨٣عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
83
استساغت القول بالهين قديمين أي الإيمان بنوع من أنواع الثنوية كما هو معلوم عند الفرس لاسيما المانوية، وبعض أتباع الديانات كاليهودية، قد انحرفوا عن المحجة البيضاء، والتفكير السوي، فخلعوا صفات البشر على الله، إذ اجتمعت اليهود على أن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض استوى على عرشه مستلقيا على قفاه واضعا إحدى رجليه على الأخرى). واعتقدوا أنه له صفات البشر فيكلمهم ويكلمونه دون حجاب ويروح ويجيء، ويصعد ويتزل، ويبكي ويفرح ويغفل ويندم. وهذه التصورات الإنسانية مجافية تماما للتصور الديني الذي يؤكد على تجريد الذات الإلهية عن كل ما يتصور في الأفهام ويتخيل في الأوهام والأذهان (3).
ولم تكن التصورات المسيحية أقل إيغالا في هذا الاتجاه، فَأَنْزَلَتْهُ من عليائه وجعلته يتجسد في شخص السيد المسيح، ثم ادعت صلبه وقتله لكي يكفر عن خطايا البشر ويمحو سيئاتهم التي لحقت بهم من جراء خطيئة آدم الأصلية، هذا فضلا عن الأطروحات الأخرى عند المسيحية التي تقرر شكل الألوهية في ثلاثة أقانيم الأب والابن وروح القدس وهي قديمة غير مخلوقة أو في طبيعتين: اللاهوت والناسوت امتزجتا معا امتزاج الماء بالخمر والضوء بالنار، وأن الصلب وقع على اللاهوت والناسوت .. وهكذا.
أما العرب قبل الإسلام فكان موقفهم يختلف ما بين الإنكار كلية وهم الدهرية "وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني"، وهم الذين أشار إليهم القرآن الكريم، وسماهم علماء الإسلام بالدهريين أو الطبائعيين أو الملاحدة، ومنهم من أقر بالألوهية مع الاعتقاد بالإشراك، وهم عباد الأصنام التي نصبوها حول الكعبة وقالوا: مَا تَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى) (الزمر: 3)، وهم الذين أطلق عليه القرآن لقب "المشركين" و"الكفار": {وَعَجبُوا أَن جَاءَهُم مُندَرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَها وَاحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجاب) (ص: 4 - 5)، ومنهم من ادعى أن الملائكة بنات الله: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ، أَلا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ، وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (الصافات: 149 - 152).
(1) الملل 219/ 1
(2) الكتاب المقدس حافل بمثل هذه التصورات وأيضا الفصل في الملل، 102/ 1، 110
(3) السالمي: مشارق الانوار،203/ 1) (تح عبدالرحمن عميرة، دار الجيل، مسقط، 1989 م).