عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ٨٤

84

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

ونريد أن نخلص من ذلك إلى أن القرآن الكريم تعرض لأغلب معتقدات الأمم السابقة، واتسع صدره لعرضها كما هي موجودة عند أصحاب هذه النحل. ثم رد على هذه التصورات المنحرفة والمقولات الضالة، وأفرد الآيات المطولات لتفنيد هذه المزاعم بالدليل العقلي والبرهان الساطع، والحوار البناء، ولفت نظر الإنسان إلى سنن الكون ومظاهر الطبيعة، وعجائب المخلوقات بالمشاهدات الحسية التي تقع في متناول إدراكه الحسي وفهمه العقلي وشعوره الباطني، وعواطفه الإنسانية وفطرته النقية، لكي يخلص معه إلى نتيجة مؤكدة إلى أن الله واحد: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، الله الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ وأنه ليس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البصير (الشورى: (11) هذا التصور التتريهي والسمو بالذات الإلهية عن مشابهة المخلوقين هو الذي استقر في أذهان المسلمين الأوائل

ولكن ما جرى للأمم السابقة من تبديل وتحريف في معتقداتهم وقع إلى حد ما أيضا في الحضارة الإسلامية الناهضة الفتية. فبعد انتشار الإسلام ودخول أمم شتى من الفرس والروم والعرب وأقوام كانوا يعتنقون مذاهب شتى ونحلا مختلفة "وديانات سماوية طالها التشويه والتحريف" عادت هذه التصورات القديمة التي نبه عليها القرآن وحذر منها وحارب الرسول بلسانه ويده عادت إلى الظهور، وطرحت أفكارا دخيلة مناوئة للدين وثارت الفتن والشبهات في النفوس، وحاول بعض هؤلاء الأقوام نشر هذه الأفكار ومزجها بالفكر الإسلامي

في هذه المرحلة يتبين الدور الكبير الذي قام به واصل وعمرو للتصدي لهذه الأفكار الدخيلة والتصورات الفاسدة التي تتزع إلى التشبيه والتجسيم وطرح تصور التوحيد بمعناه التتريهي كما جاء في القرآن الكريم، مستخدمين الترعة العقلية في عرض هذا التصور الذي يقرر "نفي كل ما يلزم له التركيب في ذات الله، وكل ما تقتضيه طبيعة التركيب من مستلزمات الجسمية كالأجزاء والأعضاء والأبعاد والجهات والمكان والزمان والجوهر والعرض"، وقد شاركهم في هذا أهل السنة (2).

ونستطيع أن نرصد شهادات بعض المؤرخين وهم يعرضون لنا رأي المعتزلة في قضية

التوحيد، وفي ضوء ذلك تتضح وجهة نظر عمرو بن عبيد:

(1) رسالة التوحيد ص 15

(2) الموسوعة الفلسفية العربية مادة توحيد ص 306. (تحرير: وفاء شعراني).