عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ٨٦

86

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

وجهة نظر المعتزلة تعني "نفي الصفات القديمة". وهذا حكم ظالم واستنتاج لا يتفق مع تصور المعتزلة، فهم لا ينفون الصفات بل يُؤوِّلونها على نحو ما حفاظا على تتريه الله، واتساقا مع

عرض القرآن الحقيقة الذات الإلهية.

ونختم هذه الاقتباسات بما عرضه ابن المرتضى، وهو إمام من أئمة الزيدية ومنفتح على الفكر الاعتزالي، فهو زيدي معتزلي، يقول: "أجمعت المعتزلة أن للعالم مُحدثًا (أي خالقًا) قديما قادرًا عالما حيًّا، لا لمعان أي أن هذه الصفات ليست زائدة على الذات ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر، غنيًّا واحدا لا يُدرك بحاسة (1).

هذا مجمل اعتقاد المعتزلة عامة في الله كما صوّره نخبة من المؤرخين الثقاة، ولما كان عمرو بن عبيد لم يترك لنا مؤلفًا قط، فنحن نستطيع أن نحدد موقفه ونرسم صورة واضحة لوجهة نظره في الأصل الأول وهو التوحيد كالآتي:

- الذات الإلهية

الله جل واحد أحد، متفرد في ذاته، ليس بجسم ولا عرض، ولا يجوز عليه المماسة أو الحلول في الأماكن ولا يحده مكان ولا زمان ولا يشابه المخلوقين في ذاته بأي حال من الأحوال، وهو كما وصفه القرآن: لَيْسَ كَمِثْله شَيْءٌ (الشورى: (11).

- يقال أن جماعةً من قريش سألوا الرسول: الام تدعونا؟ قال: إلى الله. قالوا: صفه لنا، أمن ذهب أو فضة أو حديد أو خشب؟

فنزلت سورة الإخلاص ردًّا عليهم، وفي الوقت نفسه قدمت إجابة شافية تصور التصور الصحيح للذات الإلهية: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (الإخلاص: (1)، وهو لَيْسَ كَمِثْله شَيْءٌ، وكل ما خطر ببال الإنسان من تصورات عنه الطويل أم كبير أم ضخم أم يشبه كذا أو كذا،

فالله بخلاف ذلك.

فالصور العقلية التي يكونها الإنسان عن وقائع الوجود مكتسبة من الواقع المعيش ومن المحسوسات التي تقع في متناول الإدراك الحسي والله لا يقع في دائرة المكان ولا الزمان، لذلك لا يستطيع الإنسان أن يقدم تصوراً حقيقيًّا، ولكنه يستطيع أن يقدم تعقلا لهذا الوجود؛ لأن العقل

(1) طبقات المعتزلة، ص 8