عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ٩

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

9

وتقليص فكرها وإقصاؤها بعيدا عن مكان الصدارة وبؤرة الشهرة وميدان الأنوار، وإن تعطف المؤرخون بذكرها ولابد أن يذكروها فمن الضروري أن يُمطروها بالاتهامات، ويُلفقوا لها التكفيرات، ويستقبلوها بالانتقادات، ويُوَدِّعوها باللعنات وينقبوا عن جوانب النقص ليعرضوها، وإذا أبصروا الشمائل الكريمة طَوَوْها، وإذا قرؤوا عن المواقف النبيلة نأوا بجانبهم عنها وأخفوها. أضف إلى ما سبق أن من الدواعي الأخرى التي حفزتني على إفراد مؤلف كامل عن شخصية عمرو، أنه لم يَلْقَ العناية الواجبة به، ولم تدرس أفكاره دراسة علمية مستوعبة ولم يُفْرَدْ له كتاب مستقل على حسب علمي وأغلب الدراسات التي ذكرتها جاءت بطريقة عرضية في أثناء حديثها عن واصل بن عطاء الذي استحوذ على معظم الأضواء واحتل الصدارة عند المؤرخين، فَظَلَّ زميله وصديقه وصهره عمرو في الظل. وقد انحصرت شهرته في وعظه المؤثر لأبي جعفر المنصور المؤسس الحقيقي للدولة العباسية وشدة ورعه وتدينه وتقواه هذه

نقطة.

النقطة الثانية: أن المعتزلة وعلى رأسهم واصل وعمرو، قاموا بدور كبير في الدفاع عن مبادئ الإسلام، وتصدوا للفرق المناوئة له والنحل المتعددة التي كانت تنتشر في البصرة والعراق وبلاد

فارس

النقطة الثالثة والأخيرة: أنني لا أخفي إعجابي بالنزعة العقلية التي هي سمة أساسية من سمات التفكير عند المعتزلة، وقد طبقوها في قراءتهم للنصوص تطبيقا صارمًا، ليس هنا فحسب، بل في حياتهم العلمية كما ذكر الجاحظ في كتبه لا سيما "الحيوان".

ويجب أن لا ننسى أن القرآن الكريم أشاد بدور العقل في المعرفة الإنسانية، وعَدَّهُ مصدرًا من مصادر المعرفة اليقينية، وعلى الرغم من وصفه الكفار بالضلال والظلم والطغيان، إلا أنه لم يَسُب عقولهم أبدا، ولم يُقلّل من قيمة العقل، بل نعى عليهم إلغاء عقولهم، وَوَبَّخَهُمْ على اتباع آبائهم، وَشَبَّهَهُمْ بالأنعام، وَتَبَّهَهُمْ على هذه الأداة الفعالة التي وهبها لهم، إذ هي الميزة الجوهرية التي تُميِّز الإنسان عن باقي الحيوانات.

وقد توسع المعتزلة في استخدام الترعة العقلية توسعًا كبيرًا أثار عليهم حفيظة العلماء، وعلى كل حال فقد انتصر لهذه الترعة جمهرة من المفكرين القدامى والمعاصرين، والأمثلة تند عن الحصر، وعلى سبيل المثال الفخر الرازي من الأشاعرة وفلاسفة الإسلام قاطبة وعلى رأسهم