عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ٩٠

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

النقطة الأولى: الناظر في هذه المسألة قد يعتقد أننا بصدد قضية نظرية فلسفية، كان الأجدر بالمعتزلة أن ينأوا عنها ولا داعي للخوض فيها، ومعه الحق في ذلك. ولكن للإنصاف نبين أن هناك دوافع عديدة، ومخاطر جمة وأسبابا مقبولة هي التي دفعتهم للتزول والتزال في هذه الساحة، فلما كان هدفهم من البداية كما قلنا السُّمُوَّ بالذات الإلهية ونفي صفات المخلوقين عنها، فكان لزاما عليهم أن يقفوا في مواجهة تيار المشبهة والمجسمة والحشوية من المسلمين، ليس هذا فحسب بل إن الخطر الأكبر يتمثل في هجمة اللاهوت المسيحي وتصوراته الغريبة، فوقفوا رجالا أشداء، وخصماء عنيدين، وفكرًا كفؤا لمقاومة الفكر المسيحي الذي دخل الساحة متسلحا بالمنطق اليوناني وفلسفته لنشر فكرة قدم الكلمة بين المسلمين. ومن هنا تبدو صلابة عمرو وزميله في الوقوف أمام الهجمة المسيحية على وجه أخص، لاسيما أن القرآن الكريم يقرر أن كلمة الله قد ألقاها إلى مريم، وقد أخذ المسيحيون هذه المقولة ليجادلوا بها المسلمين في تأكيد فكرة قدم الكلمة ومن ثم انبرى عمرو وصديقه لتفنيد هذه المزاعم من خلال القول بخلق القرآن، أي رفض قدم الكلمة محافظة على وحدة الذات الإلهية وإنكار أي قول يفيد التثنية أو التعدد أو قدم الصفات). يقول أحمد أمين: " في رأيي أن نيتهم حسنة ومقصدهم حميد، فقد رأى المعتزلة من أول أمرهم من عهد واصل وعمرو أن عقائد الناس قد فسدت ويجب تصحيحها، وفي نظرهم أن التصحيح يجب أن يدور على توحيد الله، وجرهم القول في التوحيد إلى التوحيد بكل معانيه، ورأوا أن القول بقدم القرآن تعديد "للقديم

النقطة الثانية: مسألة الاتهامات التي وُجهت إلى أصحاب القول بخلق القرآن مثل معبد وغيلان القدريين (الأوائل وهما من أنصار حرية الإرادة والجعد والجهم وهما من الذاهبين إلى جبرية الإنسان. والقاسم المشترك الذي يجمعهم جميعًا هو مبدأ التأويل العقلي لآيات القرآن الكريم وإعمال العقل في النصوص. فقد وُجُهَتْ إليهم تهمة التأثر بالمؤثرات الأجنبية، وأنهم أخذوا هذا القول من مصدر فارسي (3) ويهودي ومسيحي".

(1) محمد الزيني شهداء الفكر الإسلامي، ص 129، (ط، صنعاء).

(2) ضحى الإسلام 187/ 3

(3) اوليري: علوم اليونان، ص 92.

ناقشت هذه الفكرة بتوسع في كتابي شهداء الفكر، ص 84 و العلاف و آراؤه الكلامية، ص 92،93.