عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ٩١عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
والحقيقة أن التهمة باطلة تمامًا؛ لأن قول هؤلاء جميعًا ومعهم واصل وعمرو كان الهدف منه نفسي التعدد عن الذات الإلهية ونفي أي شبهة تشريك أو تعدد في القدماء، وكان هدفهم المشترك الدفاع عن قضية التوحيد ثم إن مقولات الثنوية والمسيحية تتنافى مع توجهات مفكري الإسلام نظرا لاختلاف مصدر الفكر ومضمونه وغايته عند كل من الطرفين.
أما اليهودية فالهوة واسعة بينها وبين هؤلاء المفكرين فهي تتجه اتجاها ماديا واضحا، بل موغلا في المادية، وتخلع على الله صفات الإنسان المنفعل، وهذا التصور المادي يتعارض مع مبد! التنزيه الذي يقرره عمرو وأصحابه ونخلص من ذلك إلى القول: "إن من الصعوبة بمكان أن نجزم بوجود آثار خارجية لفكرتي خلق القرآن ونفي الصفات، وقد أخذ واصل وعمرو آراءهم في هاتين المشكلتين عند القدريين ولا تثبت النصوص أبدًا أن هذين الشيخين الأولين للمعتزلة أخذا من مصدر مسيحي أو يهودي أو صابئي أو منوي (1). النقطة الثالثة: ضرورة الاعتراف بأن المعتزلة أخطؤوا خطأ فادحا بعقد المحاكمات لامتحان علماء الإسلام الأجلاء في مسألة خلق القرآن وإجبارهم على أن يقروا صاغرين بأن القرآن مخلوق، ثم يعرضونهم للضرب والإهانة والإيذاء أمام الملا والقضية لم تكن تستحق هذه المأساة التي دخلت الفكر الإسلامي باسم محنة خلق القرآن ثم إن المعتزلة إذا كانوا يدعون أنهم من أنصار حرية الفكر، فلماذا يكرهون الناس على اعتقادات من الصعب الاتفاق عليها؟
ويتفق جمرة المؤرخين على أن هذا التعسف من قبل المعتزلة والذي حدث في عهد المأمون والواثق، والمعتصم، ملأ قلب الشعب المسلم كراهية لهم، ونشر الفتنة بين طوائف المجتمع، وأحدث هزة عنيفة بين طبقة العلماء السنيين وغير السنيين واستعدى السلطة الحاكمة التي تبدلت بمجيء المتوكل الذي كان يكره الاعتزال كراهية شديدة ويمقتهم ومعهم الشيعة مقتا شديدا، فشرد بهم ودمر فكرهم، وحاكم، علماءهم، وأقصاهم من السلطة والقضاء، وعمل على محو وجودهم من الساحة الفكرية، وبالجملة قضى على هذا الفكر المستنير الذي قدم خدمات جليلة للفكر العربي الإسلامي، وانفرد أهل السنة بمصير الأمة، وساد الرأي الآحادي، وحوربت الملكات العقلية وأصبح المطلوب من العقل العربي المسلم الاتباع دون الإبداع والرواية دون الدراية، والتقليد وليس التجديد والتمسك بالرواية والعنعنة دون تمحيص المتن أو النظر فيه، وأدى هذا التطرف إلى
(1) نشأة الفكر 472/ 1