عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ٩٢

92

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

تقديس النص وقبوله حتى لو تعارض مع أبسط مقولات العقل، وأصبح النص مقدمًا على تأملات العقل وتحليلاته.

النقطة الرابعة: إننا لا نريد إثارة القضية مرة أخرى ولولا الأسباب التاريخية التي أشرنا إليها لاستنكرنا الخوض في هذه القضية من أساسها ولَعُدَّتْ من الترف الفكري، والمجادلات اللفظية المرفوضة، وفي الوقت نفسه لا نريد أن ننحاز إلى رأي دون آخر فنقول إن القرآن مخلوق أو غير مخلوق، أو نجمع بينهما كما ذهب ابن رشد في قوله إن القرآن معنى ولفظ، ومن النظر إلى المعنى قال إنه قديم، ومن النظر إلى اللفظ دون المعنى قال إنه حادث.

هذا الحل أيضا نرفضه؛ لأننا نرفض إثارة المشكلة في حياتنا المعاصرة ونطالب بعدم الخوض فيها، ويكفي أن تبقى فقط محصورة في نطاق الدراسات العقائدية.

والسبب في ذلك أننا لسنا بصدد قضية تجريبية نستطيع أن نخضعها للتجربة العلمية، أو الاستقراء التاريخي، أو الاستدلال الإحصائي، ولكننا في الحقيقة بصدد قضية ميتافيزيقية غيبية، تعلو على مدارك العقل الإنساني، وتند عن متناول الإدراك الحسي وفي أحسن الحالات نقيس الغائب على الشاهد، وهذا القياس فيه مخاطرة أشد مخاطرة، فالله و لا يقف قبالتنا، ولا نستطيع أن تخضعه لمقولات الزمان والمكان، أو مفردات اللغة التي نستخدمها، لذلك من الأوفق أن نتوقف عن هذا البحث غير المجدي في حقيقة القرآن أمخلوق أم غير مخلوق؟ ويكفينا أن نقرر أن القرآن كلام الله المنزل إلى رسوله فيه منهج واضح لتسيير حياة المسلم والمجتمع الذي ينتمي إليه، وهو يوضح لنا بطريقة كلية معالم أساسية على طريق نجاح حياة المسلمين، فهو منهج للحياة، والمطلوب منا حينما نتكلم عنه أن نُحوِّلَ كلماته إلى واقع حي، وأقواله إلى أفعال، وقضاياه الفكرية إلى تجسيد ملموس في مجال السياسة والاقتصاد والاجتماع، وبالجملة في طرائق المعيشة الحياتية، وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: 89).

ولا داعي أن نقف فقط لترديد آياته والتبرك بها واستخدامها تعاويذ لدفع فعل شياطين الجن والإنس ثم الدخول في معارك وهمية عن قدمه وحدوثه ونترك هذه النصوص يتردد صداها في الفضاء دون أن تخط لنا طريقًا للنجاح، بل يجب أن تكون خريطة واضحة تهدينا السبيل إلى بناء حياة معاصرة في مجال الشورى، والعدالة الاجتماعية، والكفاءة العلمية، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وباقي القضايا التي وردت صريحة في هذا القرآن الكريم لإقامة مجتمع تتحقق فيه أسس الحرية في جميع أبعادها والتكافل الاجتماعي في كافة، صوره، والوصول إلى القمة السامقة