عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ٩٣عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
بين الدول التي سبقتنا في مضمار الحضارة والواقع يؤكد ذلك إن كلمات الله جلت قدرته في قرآن كريم هي منهج للعمل نعلو به سادةً على الأرض ظافرين من رب السماء (1).
93
رابعا: رؤية الله: 1 من المسلمات المشهورة التي تميز الفكر المعتزلي، قولهم بنفي رؤية الله له في الدنيا والآخرة، وقد أكد معظم المؤرخين على هذه القضية وهي قولهم باستحالة رؤية الله -عز وجل- في دار القرار، وأن حواس الإنسان مجتمعة أو متفرقة غير قادر أن تدركه في الدنيا وكذلك في الآخرة. ولاشك أن نفي الرؤية نتيجة منطقية لمنهجية المعتزلة، ولاسيما توحيدهم بين الذات والصفات وهذا التصور العقلي التنزيهي الذي لمسناه سابقا وقرأناه من الضروري أن يفضي بهم إلى هذه النتيجة وهي إنكار الرؤية.
ومعنى الرؤية: وقوع شعاع من العين على شيء مرئي محسوس، متحيز في جهة من الجهات، وهذا منفي عن الله في الحياة الدنيا وفي الآخرة أيضا؛ لأن هذا المعنى يستلزم التحيز والجهة والمكان، وهذه صفات الحوادث والأجسام والله مبرأ من ذلك فهو واجب الوجود ومن الحقائق العقائدية المعروفة أن فرقة المعتزلة لم تكن أول الفرق التي ارتادت هذه الطريق وأعلنت نفي رؤية الله، فقد سبقها إلى ذلك القدرية الأوائل والجبرية، وقد عاصرهم واصل وعمرو.
والفكرة التي نريد أن نؤكدها أن كافة أصحاب الاتجاه العقلي والممهدين الأوائل للترعة العقلية في الفكر الإسلامي دافعوا عن قضية تتزيه الذات الإلهية والسمو بها عن مشابهة المخلوقين وحقيقة الأمر أن القول بخلق القرآن ونفي الرؤية كان القصد منهما الدفاع عن أخص خصائص واجب الوجود وهو مبدأ التنزيه.
وكان من المناصرين لهاتين القضيتين الإباضية والزيدية وكذلك فلاسفة الإسلام أما الفريق المعارض أي الذي يؤكد رؤية الله، فهم أهل السنة، وقد انحاز إليهم بعد ذلك الصوفية والأشعرية وأصحاب المذهب السلفي ونعني بهم ابن الجوزي وابن القيم وابن تيمية.
-2 - ثارت مجادلات عنيفة، وحوارات قوية وأطروحات ذكية بين أصحاب الرؤية ومنكريها، وقد وجد كل فريق بالإضافة إلى الأدلة العقلية متسعًا من الآيات والنصوص الدينية لتأكيد وجهة نظره
(1) د. زكي نجيب محمود: رؤية إسلامية، ص 58.