عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ٩٤94
عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
وقد أظهر كل فريق براعة تستحق الإعجاب والتقدير في تفسير الآيات وتأويلها بما يخدم مذهبه
الذي ينتمي إليه.
وقد عكفوا طويلا على النظر في النصوص لاستنباط حقائق تؤيد الرأي الذي يُرَوِّجُون له، وقد بذل أنصار نفي الرؤية ومنهم على سبيل المثال القاضي عبد الجبار والزمخشري جهودًا عظيمة في المنافحة عن هذه القضية، وهما يمثلان أعظم تمثيل الفكر الاعتزالي لاسيما الزمخشري بقدرته الفائقة على تحليل مفردات اللغة العربية، والعودة باللفظة الواحدة إلى جذرها الأساسي، واستكناه حقائق اللغة ومدلولاتها والخروج بالنتيجة المرجوة دائمًا. كذلك لم يتوان الأشعري وأنصار المذهب أمثال الباقلاني والرازي من فعل الشيء نفسه، فوجدوا ميدانا فسيحا في تفسير الآيات المعروفة في هذه القضية لتأكيد رؤية الله وعدها حقيقة لا تقبل النقاش. - إن الناظر في الآيات القرآنية لاسيما في قوله تعالى: {وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةً، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (القيامة: 22 - 23)، يمكن أن يجنح إلى إثبات رؤية الله وهو مستريح الضمير. بيد أن المتأمل في الآيات الكريمة مثل قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْله شَيْءٍ (الشورى: (11)، وقوله تعالى: لا تدركه الأَبْصَارُ (الأنعام: (103)، وقوله تعالى: {وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) (الأعراف: 198 - يدرك تمام الإدراك أن نفي الرؤية أقرب إلى العقل وأهدأ إلى الخاطر، كأنما الحقيقة بعيدة المنال عن أيدي البشر وعقولهم وقد كتب على الإنسان أن يجاهد في سبيل النظر في القرآن، وأن يكابد التأمل في نصوصه ويصبر على فهمها، وربما هذا مقصد إلهي لكي تظل الأذهان تتقادح، وتعمل نصوصه، وتعكف على دراسته لاستنباط المزيد من الأفكار.
فكل من أصحاب المذهَبَيْنِ يستطيع أن يجد في الآيات ما يؤيد وجهة نظره، وإن كنت أعتقد أن آيات التنزيه أوضح من آيات الإثبات وأقوى، وأن حجج نفاة الرؤية أوضح في العقل من حجج المثبتين. لكن ليست هذه القضية إنما القضية الحقيقية أننا لا ننظر في النصوص بعيون محايدة، لكن نخرج بنتيجة يرتضيها الضمير، ولكننا نتمذهب أولا ونؤطر عقولنا داخل مذهب محدد، ثم نخوض في النصوص من هذا المنطلق لكي ننتقي ما يؤيد الموقف المسبق الذي اتخذناه والمذهب الذي انحزنا إليه ونستشهد بالآيات التي تعضد توجهنا وتقوي مواقفنا، وهذا ما يدعو إلى التعصب بعد ذلك. وعلى كل حال فليذهب القدرية والمعتزلة والإباضية والزيدية والفلاسفة إلى إنكار الرؤية، فهذا حقهم بلا شك، وليتمسك الفريق الآخر من الأشاعرة والصوفية وأهل السلف بإثبات الرؤية، بيد أن المطلوب لاسيما من الفرق المعاصرة التي مازالت موجودة في ساحة الفكر