عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ٩٧

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

الفصل الثالث: العدل

أولا: نظرة تاريخية إلى مشكلة الحرية

97

الحرية كلمة جميلة تهتف بها النفوس وتشتاقها العقول وتحن إليها القلوب، "ولا حاجة إلى التدليل على أن الحرية حق طبيعي مادامت الحياة تستلزمها، وتحتمها إن ما يجعل من الفرد شخصا، هو الشعور بأن الحرية بديهية (1) الحرية كلمة مؤثرة في حياة الإنسان وفي المجتمعات والحضارات التفت إليها الإنسان منذ فجر الحضارات يطلبها ويُعد السير إليها بعد أن وقفت أمامه الأعاصير القوية، والرعود المخيفة والسيول المدمرة، أهو قادر على أن يواجه عنف الطبيعة وقسوتها أيستطيع أن يقف أمام بطشها، أم أن الأجدر به أن يلتمس رضاها بالقرابين والهبات ويتوسل إليها بالتضرع والصلوات؟

كما واجهت الإنسان البدائي قضية الحرية بعقليته الساذجة وأدواته البدائية، واجه الإنسان المتمدين عبر الحضارات مشكلة الحرية الإنسانية بمقولات متعددة، ما بين الإيمان بالجبرية والتسليم للمقادير والشعور الكامل أنه ريشة في مهب الريح تتقاذفها العواصف في جميع الاتجاهات والإيمان الكامل أن الإنسان يملك إرادته وحريته، ومصيره وعليه أن يستخدم ما هو متاح إليه من الإدراك الحسي والتفكير العقلي والإمكانيات الجسمية لتقرير مصيره واختيار ما يساعد على بقائه، ويعمل على تقدمه ورقيه. ولم يكن العرب بدعا من القوم، فقد مال بعضهم إلى الجبرية، وسجل القرآن قولهم في ذلك يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتَنَكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشياطينَ أَوْلِيَاءَ

للَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) (الأعراف (28) ورد عليهم.

وحينما أشرقت الدنيا بنور ربها، وجاء الإسلام بدستور جديد طرحه الرسول صلى الله عليه وسلم على البشرية جميعًا، حدد القرآن نطاقين للفعل، نطاقا يختص بالفعل الإلهي، ونطاقا يختص بالفعل الإنساني، والفعل الأول هو الأشمل والأعم، والفعل الثاني هو الأقل والأخص.

وقد وقع لبس عظيم في نفوس بعض المسلمين التقاة، إذ اعتقدوا أن القول بالحرية

يتعارض مع المشيئة الإلهية ويتنافى مع الفعل الإلهي الساري في الكون الذي يقول للكون كن فيكون لذلك اعتقدوا أن التسليم بالجبر قد يكون أحرز، والإيمان بخضوع الإرادة الإنسانية

(1) عبدالله العروي: مفهوم الحرية، ص 35 المركز الثقافي، بيروت، 1998 م).