عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ٩٨

98

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

خضوع مطلق دون أن يكون لها حركة أو تقرير أو اختيار للفعل الإلهي قد يكون أسلم وأوفق مع نصوص القرآن وأن الفعل إذا نسب إلى الإنسان فهو يكون على سبيل المجاز والتقريب وليس

على سبيل الحقيقة، وهؤلاء هم الذين أطلق عليهم في التاريخ العقائدي للإسلام باسم الجبرية. وقد تصدى لهذه الفرقة جماعة تذهب إلى نقيض ذلك، إذ تقرر بأن الإنسان حر الإرادة وهذا أمر مدرك بالفعل والعقل، وكل منا يشعر من نفسه داخليا وخارجيا أنه يستطيع أن يختار في حياته، ويرسم مستقبله ويقرر مصيره، وأن العلم الإلهي السابق أو ما خُط في اللوح المحفوظ بالنسبة إلى الإنسان لا يتعارض مع حريته الممنوحة له، ولا يؤثر في مجريات حياته، وهؤلاء هم القدرية. وقد وافق الحسن البصري هذه الجماعة في اتجاهها ومجمل رأيه أن أفعال الشر تنسب إلى الإنسان، فهو فاعل الخير والشر، والشر لا ينسب إلى الله. وقد رفض كثير من المؤرخين تشكيك الشهرستاني في الرسالة التي أرسلها الحسن إلى عبدالملك بن مروان وفيها إعلان صريح بتقرير

الحرية الإنسانية وأن كل شيء بقضاء الله وقدره إلا المعاصي، فهي تسند إلى الإنسان). مما سبق يتضح أن مشكلة الحرية الإنسانية كانت مطروحة بقوة على الساحة الفكرية واحتلت مساحة عريضة من النقاش والجدل بين المتكلمين وفي القرآن والسنة.

ثانيا: حرية الإرادة عند المعتزلة:

في هذه المعركة المحمومة بين القضية الجبرية) ونقيضها (الحرية) دخل المعتزلة معترك النقاش، وقد تصدوا للفريق الأول وهم بصدد تأصيل الأصل الثاني وهو العدل، الذي يقوم على قاعدة مفادها أن الله له الخالق الآمر حكيم عادل، ولا يجوز في الطبع أو العقل أن ينسب إليه

الشر بأي حال من الأحوال، وهو ليس بظلام للعبيد والشر ينسب إلى فاعله وهو الإنسان. وقد اختلف في حقيقة العدل، ففي حين يرى أهل السنة أن العدل هو وضع الشيء موضعه أي التصرف في الملك على مقتضى المشيئة والعلم يرى المعتزلة أن العدل يعني ما يقتضيه العقل من الحكمة، أي إصدار الفعل على وجه الصواب والمصلحة وتعريف المعتزلة يفضي إلى نتيجة مؤداها أن العبد هو الفاعل للخير والشر والفضيلة والرذيلة والحسن والقبح، والطاعة والمعصية، والإيمان والكفر. ومن التناقض أن يريد الله من العبد خلاف ما يأمر به، وهو لا يأمر إلا

(1) أبو زهرة تاريخ الجدل، ص 322 محمد الزيني: شهداء الفكر، ص 33.