دلائل الاعتقاد عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ١٧٤174
دلائل الاعتقاد عند الإباضية
مِثَالُهُ: تَحَقق فَنَاءِ كُلِّ عَخَلُوقٍ وَفْقَ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ وَقَضَاهُ أَزَلًا. هَذَا يَمُوتُ وَيَفْنى بِالْمَرَضِ وَآخَرُ بِالْغَرَقِ وَآخَرُ بِالسُّقُوطِ … الخ، وَهَكَذَا تَحَقَّقَ حُصُولُ الرِّزْقِ لِكُلِّ تَخَلُوقٍ، كُلِّ مِنْهُمْ بِسَبَبٍ مُعَيَّنٍ، وَاللهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدَّرَ الْأَشْيَاءَ فِي الْقِدَم، وَعَلِمَ - سُبْحَانَهُ - أَنَّهَا سَتَفَعُ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَهُ، وَعَلَى صِفَاتٍ مَخصُوصَةٍ، فَهِيَ تَقَعُ عَلَى حَسَبٍ مَا قَدَّرَهَا سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى.
وَالْإِيمَانُ بِهَذَا الرُّكْنِ يَتَحَقَّقُ بِمَا أَخْبَرَ عَنْهُ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَما قَالَ لِعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ وَلَنْ تَبْلُغَ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ ه وسَرَهِ أَنهُ مِنَ الله تَعَالَى " قَالَ: يَا رَسُولَ الله كَيْفَ أَعْلَمُ خَيْرَ الْقَدَرِ وَشَرَّهُ؟ قَالَ: " تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، فَإِنْ مِنَّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ دَخَلْتَ
النار" (1).
وَالْإِيمَانُ بِهَذَا الرُّكْنِ الْعَظِيمِ يَجْعَلُ الْمُسْلِمَ يَعْتَقِدُ أَنَّ كُلَّ مَا فِي الْوُجُودِ يَجْرِي وَفْقَ إِرَادَةِ الله وَحُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَأَنَّ عَقِيدَةَ الْمُسْلِمِ تَقْتَضِي
(1) وَجَاءَ فِي سُنَنِ التَّرْمِذِيُّ مَا جَاءَ فِي الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، رَقْمَ: 2081، قَالَ عَطَاءُ: لَقِيتُ الْوَلِيدَ بنَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ صَاحِبَ رَسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتُهُ: مَا كَانَ وَصِيَّةُ أَبِيكَ عِنْدَ الْمَوْتِ؟ قَالَ: دَعَانِي أَبِي فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ اتَّقِ اللهَ وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تَتَّقِيَ اللَّهَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، فَإِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ. فَقَالَ: اكْتُبْ فَقَالَ:
مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنُ إِلَى الْأَبَدِ.