تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ١٢١الفصل الثاني: في دخول علم المنطق في علم أصول الفقه
121
أما ما نسب إلى الشافعي من دعوى اطلاعه على اللغة اليونانية فيجاب عنه بعدم التسليم بهذه الدعوى، فإن الشافعي لم يكن على معرفة باللغة اليونانية وذلك لأن هذه الدعوى تستند إلى قصة لقائه بالخليفة هارون الرشيد وسؤاله إياه عن علمه بالطب. وقد تعقب هذه القصة عدد من العلماء فبيّنوا أنها لا تصح ولا تثبت، بل وصرح بعضهم أنها مكذوبة وموضوعة والدليل على كذبها ما يلي:
أ - إنها جاءت من طريق محمد بن عبد الله البلوي)، وهو كذاب وضاع (3). ب - إنه جاء في سياق القصة أن الإمامين أبا يوسف ومحمد بن الحسن كانا حاضرين في مجلس الخليفة وهذا يؤكد بطلان القصة لأن الشافعي جاء إلى بغداد متهماً بموالاته للنفس الزكية والخروج معه على هارون الرشيد سنة 184 هـ، أي: بعد موت أبي يوسف لأنه زر الله توفي سنة 182 هـ.
ج - إنه ورد في القصة أن أبا يوسف ومحمد بن الحسن حرضا هارون الرشيد
على الشافعي، وهذا ظاهر البطلان لأنه لا يتفق مع أخلاق الأئمة والعلماء). (قلت): بل المشهور أن محمد بن الحسن هو الذي شفع عند الخليفة للشافعي وبرأه وطلب منه أن يسمع لكلام الشافعي وبيانه وقوة برهانه، فتكلم الشافعي فأعجب به هارون الرشيد وقربه وعظمه.
إذاً، فالقصة لا تثبت على حال من الأحوال لا في سندها ولا في فحواها. أما كون الشافعي يعتبر القياس الأصولي مفيداً للظن، فهذا محل إجماع عند القائلين بالقياس فإنهم قالوا إنه كخبر الواحد لا يفيد أكثر من الظن واستثنوا منه
(1) منهم ابن كثير وابن حجر وابن الهيثم انظر: «الشافعي» لمحمد أبو زهرة ص 50. وانظر: كتاب علم أصول الفقه» د. الضويحي 447/ 1.
(2) محمد بن عبد الله البلوي من شيوخه عمارة بن زيد، وقد كان يحدث عنه بخير منكر اتهمه ابن الجوزي وغيره بالكذب ميزان الاعتدال للذهبي 597/ 3) رقم (7757)، ولسان الميزان، ابن حجر 219/ 5.
(3) انظر: مفتاح السعادة لابن القيم 22/ 2، و علم أصل الفقه» د. الضويحي 448/ 1.
(4) علم أصول الفقه» د. أحمد الضويحي ص 448.