تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ١٩المقدمة
19
ذلك قوله تعالى: ﴿قُبِلَ الإِنسَنُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ ومن فَقَدْرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَتَرَهُ، ثُمَّ أَمَانَهُ، فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ﴾ [عبس: 17 - 32]. وقال بعد ذلك أَنَّا صَبَنَا الْمَاءَ صَبَا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْتَنَا فِيهَا جَبَّاهِ وَعِنَبا وَقَضَبَا
وَزَيْتُونَا وَتَخَلا وَحَدَابِقَ غُلَبَا وَفَاكِهَةٌ وَأَبَا • مَنَعَا لَكُمْ وَلِأَنْعَمكُمْ} [عبس: 25 - 32]. فهذه صور من صور الإتقان في خلق الإنسان وخلق ما يحتاجه من الطبيعة تشهد بعظيم صنعة الصانع.
والأمر بالنظر إلى هذه المظاهر ليس من أجل المتعة والجمال وحسب، بل من
أجل التفكر والتذكر والاعتبار.
المسلك الرابع - وهو دليل الإمكان في الكون
عليه.
إذا نظرنا في هذا الكتاب المنظور وهو الكون وما فيه من أجرام وكواكب و مخلوقات فإننا نجدها موضوعة على مقتضى التقدير والحكمة ومن خلال نظرتنا لمظاهر هذا الكون ندرك بداهة أن كل مظاهر هذا الكون يمكن عقلاً أن تتخذ شكلاً آخر غير ما هي عليه أو نمطاً أو حداً غير النمط والحد أو الشكل الذي هي فما المانع أن يكون الليل والنهار سرمدين إلى قيام الساعة. وما المانع أن يكون الإنسان على غير هذا الوضع القويم أو أصغر أو أكبر. فما المانع أن تكون الشمس أدنى من القمر إلى الأرض.
وما المانع أن تكون الشمس أبعد أو أقرب مما هي عليه؟
تنبيه القرآن الكريم إلى هذا المسلك:
وقد نبه القرآن الكريم إلى مسلك الإمكان باعتباره دليلاً عقلياً يبحث في نطاق الكون من ذلك قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظَّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنَا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان: 45].
فقد كان بالإمكان جعل الظل ساكناً لا يتحرك بتحرك الشمس ولو قدر ذلك لما حصلت الفائدة به وكان ذلك مخلاً بالحكمة.